تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن هذا الاستدلال الذي تضمن نفي حكم الظن في أحكام الإكراه مهم لنا في هذا الباب ؛ لأن أغلب أحكام التقية عند الشيعة الإمامية مبينة على الظن : ] وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا [ [ النجم : 28 ] بل لازال علمائهم لهذه اللحظة يذكرون ما تعرض أسلافهم المزعومين على يد بني أمية وبني العباس من أذى واضطهاد ، بعد مضي أكثر من ألف عام على ذلك ، وظهرت لهم أكثر من دولة ، وانتشرت سطوتهم في أكثر من بلاد ، وقد أدى ذلك إلى استنكار الإمامية أنفسهم لمثل هذا الأمر ، حتى أصبحت أخبارهم أعظم من أخبار بني إسرائيل وأشد تناقضاً وكل ذلك بسبب عقيدة التقية المزعومة والمنسوبة زوراً إلى أهل البيت ، كما روى الصفار عن زرارة قال : (( قال أبو جعفر u : حدث عن بني إسرائيل ولا حرج ، فقلت : جعلت فداك في حديث الشيعة ما هو أعجب من أحاديثهم ؟ قال : فأي شيء هو يا زرارة ؟ قال : فاختلس من قلبي فمكثت ساعة لا أذكر ما أريد ، قال : لعلك تريد التقية ؟ ، قلت : نعم ، قال : صدّق بها فإنها حق )) (147) .

فمن خلال هذه الروايات يتبين أن التقية عند الإمامية غير مرهونة بشرط الإكراه ، بل قد تكون هي أصل العمل ومدار عبادة المكلف ، وهناك أكثر من رواية في كتب القوم ترجح ما ذهبنا إليه من كون المكلف عندهم يمكن أن يعمل التقية في ( دار التقية ) على كل حال ، وإن كان الإمامية قد اختلفوا في الاعتداد بهذه العبادات التي قد تكون مرهونة بالاضطرار لا بالتقية ، بعبارة أخرى أن العمل مرهون بتقدير المقلد باحتمال وقوع الأذى عليه من عدمه ، وإن كان هذا الاحتمال ضعيفاً ، فإن هذا بواقع الحال لا يشكل مانعا من العمل بالتقية ، ويعضد كلامنا هذا رواية القوم في كتبهم عن الصادق أنه قال : (( إن التقية في كل ضرورة )) (148) ، وفي رواية أخرى عنه أيضاً : (( التقية في كل شيء يضطر إليه ابن آدم فقد أحله الله له )) (149) ، وأنت ترى أن لا استثناء في الرواية الأخيرة ، ولا حدود للتقية ، وهذا قول مردود لأن أفعال القلوب لا إكراه فيها ، كما هو الحال هنا ، وقد نقل السيوطي الإجماع على ذلك(150) .

والمطلع على روايات الإمامية في كتبهم يجد تناقضاً عجيباً بين هذه الروايات في صحة العبادات التي قام بها المكلف تقية ، وإن كان الراجح منها – على قول فقهاء القوم أنفسهم – الاكتفاء بأدائها في حال التقية وعدم إعادتها عند زوالها ، إلا أننا نعرض بعض هذه الروايات من أجل بيان أن التقية بعيدة بعد المشرق والمغرب عن الإكراه عند أهل السنة ، لأننا بينا شروط الإكراه سلفاً ويمكن أن تقيس أنت على ذلك .

فقد روى ابن بابويه وغيره عن حماد عن أبي عبد الله أنه قال : (( من صلى في منزله ثم أتى مسجداً من مساجدهم فصلى معهم خرج بحسناتهم )) (151) وفي رواية أخرى عن إسحاق بن عمار قال : (( قال لي أبو عبد الله عليه السلام : يا إسحاق أتصلي معهم في المسجد ؟ قلت : نعم ، قال : صلِ معهم فإن المصلي معهم في الصف الأول كالشاهر سيفه في سبيل الله )) (152) ، قال الشيرازي : (( وظاهر هذه الأحاديث رجحان الصلاة معهم مع نية الاقتداء بهم كما أن ظاهرها جواز الاكتفاء بها وعدم وجوب إعادتها )) (153) .

ومن ذلك رواه سماعة قال : (( سألت عن رجل يصلي فخرج الإمام وقد صلى الرجل ركعة من صلاة الفريضة ، قال : إن كان إماماً عدلاً فليصل أخرى وينصرف ويجعلها تطوعاً وليدخل مع الإمام في صلاته كما هو ، وإن لم يكن إمام عدل فليبنِ على صلاته كما هو ويصلي ركعة أخرى ويجلس قدر ما يقول أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، ثم ليتم صلاته معه على قدر ما استطاع ، فإن التقية واسعة ، وليس في شيء من التقية إلا وصاحبها مأجور عليها )) (154) ، ففي هذه الرواية أمر الإمام هذا الرجل بإتمام صلاته مع غير عدلٍ وليبني عليها ، ولم تشر الرواية إلى أمر الإمام هذا الرجل بإعادة الصلاة دلالة على صحتها ، من جهة أخرى نفهم من هذه الخبر بأن هذا الرجل لم يكره على أداء الصلاة مع هذا الإمام ، وإنما دخل بإرادته واختياره ، وليس في الرواية وعيد أو ترهيب من هذا الإمام كما يفهم من عباراتها ، فأين الإكراه في هذه الرواية ؟ ، بل لا نرى شرطاً واحداً من شروطه .

ومنها ما رواه الكليني وغيره عن زرارة قال : (( سألت أبا عبد الله عن المسح على الخفين تقية ؟ فقال : ثلاثة لا أتقي فيهن أحداً شرب الخمر والمسح على الخفين ومتعة الحج . قال زرارة : ولم يقل الواجب عليكم ألا تتقوا فيهم أحداً )) (155) ، فيفهم من كلام الإمام أن التقية في كل العبادات سوى ما استثنى منها ، ولم يذكر هنا الإكراه شرطاً لعمل المكلف بها ، بل فهم الإمامية من كلام الإمام هنا – كما هو حال زرارة بن أعين راوي الخبر – بأن التقية في هذه الأشياء جائزة أيضاً ، إذ هي واجبة على الإمام وليست عليكم ، فعلى هذا الأساس فإن التقية مرافقة لعمل المكلف مطلقاً حتى في شرب الخمر !.

المفصل في أحكام الهجرة · الصفحة ١٣٦٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الهجرةص ١٣٦٠