تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعند العودة إلى ما قدمناه من تعاريف للتقية سواء الواردة عند أهل السنة أو عند غيرهم خاصة الشيعة الإمامية نلاحظ فروق جوهرية بينها ، يمكن أن نستعرضها بالآتي :

1. إن الإكراه هو فعل يقع تحت تهديد شخص معين ، وغالباً ما يكون مصحوباً بالوعيد الشديد بالأذى ، في حين أن التقية هي فعل المكلف عمله باختياره مظنة وقوع التهديد ، ولذا فإن فعل المكرَه لا ينسب إليه ولكن ينسب للمكرِه ، في حين أن أحداً لم يقل بأن فعل المتقي ينسب لغيره من أهل الإسلام .

2. التقية عند أهل السنة في مفهومها العام رخصة عند غلبة الكفار على المسلمين ، في حين أن الإمامية لا يعتدون بذلك ، بل التقية وفق تعريفهم كما تقدم هي ( مكاتمة المخالفين ) ، ويعنون بهم من لا يعتقد عقائدهم من المسلمين ، وهذا فيه فرق واضح .

3. إن التقية عند الإمامية لا يعتبر فيها إكراه أو تعذيب ، بل يكفي فيها خوف الضر على النفس أو ما يتعلق به ، وإن لم يكن هناك مكرِه . وتعضد هذه القاعدة عندهم روايات كثيرة منها ما رووه عن جعفر الصادق أنه قال : (( التقية جنة المؤمن )) (120) ، وفي رواية أخرى عنه أيضاً : (( التقية ترس المؤمن )) (121) ، وهنا فقد التعريف شرطاً مهماً اتفق عليه العلماء وهو ركن من أركان الإكراه .

ولا شك في أن أحكام الإكراه ومضامينه اللغوية والشرعية تختلف اختلافا عظيماً ؛ خاصة في أثر الأعمال الواقعة من قبل المكلف ، لأنه لا يمكن الاعتداد بها وإلزام فاعلها بنتائج فعلها كما تقدم ، لذا فإن محاولة الخلط بين التقية والإكراه من الصعوبة بمكان حتى في عرف الإمامية أنفسهم ، لأنها تختلف من حيث الملاك والمغزى ، كما هو موضح أدناه .

أنواع الإكراه وشروطه :

اختلف العلماء في بيان أنواع حالات الإكراه التي تقع على المكلف ، وهذا الأمر أدى إلى اختلافهم في تفاصيل المسائل الفقهية التي يقع الإكراه فيها ، قال الكاساني : ((ما يقع عليه الإكراه في الأصل نوعان : حسي وشرعي ، وكل واحد منهما على ضربين : معين ومخيّر فيه ، أما الحسي المعين في كونه مكرها عليه فالأكل والشرب والشتم والكفر والإتلاف والقطع عينا ، وأما الشرعي : فالطلاق والعتاق والتدبير والنكاح والرجعة واليمين والنذر والظهار والإيلاء والفيء في الإيلاء والبيع والشراء والهبة )) (122) ، ومن خلال هذا الكلام نلاحظ أن تقسيم الإكراه كان بحسب ما يقع عليه الفعل ، وهو قريب من تقسيم ابن حزم له .

إلا أن التقسيم الأشهر ما قرره فقهاء الحنفية في بيان أنواع الإكراه هو(123) :

1. الإكراه الملجئ : وهو نوع يوجب الإلجاء والاضطرار ، كالقتل والقطع والضرب الذي يخشى فيه تلف النفس أو العضو ، وقد يسمى إكراهاً تاماً .

2. الإكراه غير الملجئ : وهو لا يوجب الإلجاء والاضطرار كالحبس القصير والقيد والضرب .

من الواضح أن هذا التقسيم قد أخذ فعل المكلف محوراً ، واعتمده في تقرير نتائج الإكراه ، مع الأخذ بعين الاعتبار وقوع التهديد الفعلي دون غلبة الظن في ذلك ، فلا يعتد بالحكم على فعل معين بأن له أحكام الإكراه إلا إذا توفرت أركان الإكراه وهي : المكرَه وهو الذي وقع الفعل منه ، والمكرِه : وهو من يصدر منه التهديد والوعيد على المكرَه بشرط يقين الأخير من كونه قادر على إيقاعه به لا محالة ، والركن الثالث هو : المكرَه به : وهو نوع المكره المتوعد به ، وأخيراً المكرَه عليه : وهو الفعل الذي يراد تنفيذه .

وهنا تقسيم آخر للإكراه ، فقد قسم ابن حزم الظاهري الإكراه إلى قسمين الأول هو : (( إكراه الكلام ، ولا يجب به شيء ، وإن قاله المكرَه ، كالكفر والقذف والإقرار والنكاح ... الخ )) (124) ودليل ابن حزم في ذلك أنه حاكٍ للفظ ، وذلك لا يترتب عليه أذى لمعين ، كما أنه في الوقت نفسه لا يلزم نفسه بشيء ، لقوله صلى الله عليه وسلم : (( إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى )) (125) ، قال ابن حزم : (( فصح أن كل من أكره على قولٍ ولم ينوه مختاراً فإنه لا يلزمه )) (126) .

أما النوع الثاني من الإكراه عند ابن حزم فهو إكراه الفعل ، وهو بدوره ينقسم إلى قسمين أيضاً : (( إحدهما - كل ما تبيحه الضرورة , كالأكل والشرب فهذا يبيحه الإكراه ; لأن الإكراه ضرورة , فمن أكره على شيء من هذا فلا شيء عليه ; لأنه أتى مباحا له إتيانه ، والثاني - ما لا تبيحه الضرورة , كالقتل , والجراح , والضرب , وإفساد المال , فهذا لا يبيحه الإكراه , فمن أكره على شيء من ذلك لزمه القود والضمان ; لأنه أتى محرما عليه إتيانه )) (127) ، ولكن ابن حزم لا ينس أن يقرر ضرورة وقوع الإكراه فعلاً على المكرَه ، ويقين الأخير بأن الضرر واقع عليه لا محالة ، وغير ذلك لا يمكن أن يسمى إكراهاً لأن الإكراه بنظره : (( هو كل ما سمي في اللغة إكراها , وعرف بالحس أنه إكراه كالوعيد بالقتل ممن لا يؤمن منه إنفاذ ما توعد به , والوعيد بالضرب كذلك أو الوعيد بالسجن كذلك , أو الوعيد بإفساد المال كذلك , أو الوعيد في مسلم غيره بقتل , أو ضرب , أو سجن , أو إفساد مال )) (128) .

المفصل في أحكام الهجرة · الصفحة ١٣٥٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الهجرةص ١٣٥٧