تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فأمثال هؤلاء الرواة الذين كانوا لا يميزون بين الغث والسمين ، ولا يتورعون عن الكذب على أئمة أهل البيت هم الذين نقلوا هذه الروايات وجعلوها في كتبهم ، ثم جاءت طائفة أخرى من علمائهم لترجح بين المتناقض من هذه الروايات المنسوبة لأئمة أهل البيت خاصة الباقر والصادق ، وهي أخبار متعارضة متناقضة ، وبعضها يوافق الأخبار الواردة عند أهل السنة والجماعة ، فلم يجدوا حلاً أفضل من تفسيرها بعذر التقية ، وهذا ما أقر به واعترف شيخ الطائفة ( الطوسي ) حيث قال في معرض بيان تناقض أخبار قومه : (( وقد وقع فيها الاختلاف والتباين والمنافاة والتضاد حتى لا يكاد يتفق خبر إلا وبازائه ما يضاده ، ولا يسلم حديث إلا وفي مقابلته ما ينافيه حتى جعل مخالفونا ذلك من أعظم الطعون على مذهبنا )) (108) ، وقد ألف الطوسي كتابه المشار إليه ( تهذيب الأحكام ) للتوفيق بين هذه الأخبار المتضادة والمتنافرة بحيث لا يمكن الجمع بينهما ، ففسر أكثرها بالتقية ، وقد أحصيت في كتابه هذا ما يقارب الخمسمائة رواية عن أئمة أهل البيت فسرها بالتقية ، وهي تعادل خمس روايات الكتاب، وهذا يبين لك سوء معتقد هؤلاء القوم في رفضهم لروايا أهل البيت حتى لو كانت في كتبهم المعتمدة ، وسبيلهم الوحيد في ذلك عقيدة التقية التي أبتدعوها وزينوها وساروا على نهجها .

وخلاصة ما يمكن أن نقوله إن الشيعة الإمامية قد أتخذوا عقيدة التقية جزءاً لا يتجزأ من دينهم ، وهو الأساس الذي تعتمد عليه علاقتهم مع أهل السنة والجماعة ، إذ الأصل عندهم هي التقية، وما شذ عنها فهو من باب الشذوذ عن القاعدة ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية : (( إن أساس النفاق الذي بنى عليه الكذب وهو أن يقول الرجل بلسانه ما ليس في قلبه ، كما أخبر الله تعالى عن المنافقين أنهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم والرافضة تجعل هذا من أصول دينها وتسميه التقية )) (109) ، ولذا من الصعب أن تأخذ شيئاً من هؤلاء القوم يمكن أن تعتمد عليه وتستند إليه ، وهو الأمر الذي يجب أن يعرفه من يحاول أن يتقرب منهم ، نسأله تعالى أن يحفظنا من الشرك والنفاق والزلل.

المبحث الثالث

الإكراه والتقية

الإكراه :

لا بد من الإشارة إلى أن الشيعة الإمامية لم يفرقوا في مباحثهم العقدية والفقهية بين مصطلحي التقية والإكراه ، بل إن التقية عندهم لها صلتان ، فعليها تبنى فروعٌ كثيرة ، وعلى أساسها تأصل العقائد وأصول الدين(110) ، ولهذا السبب كثر تخبطهم في معظم المسائل التي تداخل بين هذين المصطلحين ، على الرغم من أن الفرق بينهما واضح يعتمد على تعريف الفقهاء وأهل الأصول للإكراه ، الأمر الذي نرى من الضروري بيانه هنا :

الإكراه في اللغة جاء من الفعل : ( كَرَهَ ) ، والاسم : ( الكَرهُ ) ويراد به كل ما أكرهك غيرك عليه ، بمعنى : أقهرك عليه ، وأما (الكُرْه ) فهو المشقة ، يُقال : قمت على كُرْهٍ ، أي : على مشقة(111) ، وحكمه في اللغة : (( عبارة عن حمل إنسان شيء يُكْرَه ، يقال : أكرهت فلان إكراهاً أي حملته على أمرٍ يكرهه )) (112) .

أما في الاصطلاح فقد عرفه المناوي بأنه : (( حمل الغير على ما يكرهه بالوعيد الشديد )) (113) ، وعرفه البركتي بأنه : (( إجبار أحد على أن يعمل عملاً بغير حق من دون رضاه بالإخافة )) (114) ، أما السرخسي فقد عرف الإكراه بقوله : (( الإكراه اسم لفعل يفعله المرء بغيره فينتفي به رضاه أو يفسد به اختياره )) (115) ، ومن خلال هذه التعاريف يبدو أن المعنى فيها متقارب من حيث إن المكلف يضطر إلى الفعل بسبب ضغط لا يقوى على رده ، بعبارة أخرى أن الأمر المشترك بين العبارات المتقدمة تقيد الإكراه بوجود مؤثر خارجي يلجئ من خلاله الفرد إلى فعل شيء لا يريد فعله ، فإذا زال هذا المؤثر، فلا بد أن يعود المكلف إلى أصل العمل ، ولذا قال الفقهاء بأن فعل المُكرَه لا ينسب إليه وإنما ينسب للمُكرِه(116) .

وقد وردت الإشارة إلى الإكراه في القرآن الكريم قال تعالى : ] لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ [ [ البقرة : 256 ] قال ابن كثير في تفسير هذه الآية : (( أي لا تكرهوا أحداً على الدخول في دين الإسلام فإنه بيّن واضح جلي دلائله وبراهينه لا يحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه ، بل من هداه الله للإسلام وشرح صدره ونور بصيرته دخل فيه على بينة ، ومن أعمى الله قلبه وختم على سمعه وبصره فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرهاً مقسوراً )) (117) ، وقوله تعالى أيضاً : ] وَلاَ تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا [ [ النور : 33 ] ، وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الإكراه وبين حكمه عندما قال : (( إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه )) (118) ، ويروى أن صفوان الطائي كان نائماً مع امرأته وأخذت المرأة سكيناً وجلست على صدره ، وقالت : (( لأذبحنك أو تطلقني فناشدها بالله فأبت ، فطلقها ثلاث ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال : لا قيلولة في الطلاق )) (119) .

المفصل في أحكام الهجرة · الصفحة ١٣٥٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الهجرةص ١٣٥٦