فالتقية لم يقلها الأئمة ولم يعملوا بها وإنما نسبها الرواة إليهم ، وقد حرّف علماء الإمامية معظم معاني الأخبار ونصوص الروايات الواردة في كتبهم وصرفوا دلالتها إلى التقية بدعوى أن الأئمة كانوا يتاقون خشية من خلفاء بني أمية وبني العباس ، ولكن مثل هذه الدعوى لا يمكن أن تصمد كثيراً إذا رجعنا مرة أخرى إلى رواياتهم ، فقد روى الأردبيلي : (( أنه سئل الإمام أبي جعفر عن حلية السيف هل تجوز ؟ فقال : نعم قد حلى أبو بكر الصديق سيفه بالفضة فقال الراوي : أتقول هكذا فوثب الإمام عن مكانه ، فقال : نعم الصديق ، نعم الصديق نعم الصديق ، فمن لم يقل له الصديق ، فلا صدق الله قوله في الدنيا والآخرة )) (102) ، وفي رواية يرد بها الباقر على من قال إن كلامه هذا تقية عند سئل عن الشيخين : (( قال : إني أتولاهما ، فقيل له : إنهم يزعمون أن ذلك تقية ؟ فقال : إنما يخاف الأحياء ولا يخاف الأموات ، فعل الله بهشام بن عبد الملك كذا وكذا )) (103)، قال ابن حجر الهيتمي : (( فانظر ما أبين هذا الاحتجاج وأوضحه من مثل هذا الإمام العظيم المجمع على جلالته وفضله بل أولئك الأشقياء يدعون فيه العصمة فيكون ما قاله واجب الصدق ومع ذلك فقد صرح لهم ببطلان تلك التقية المشؤومة عليهم واستدل لهم على ذلك بأن اتقاء الشيخين بعد موتهما لا وجه له إذ لا سطوة لهما حينئذ ثم بين لهم بدعائه على هشام الذي هو والي زمنه وشوكته قائمة أنه إذا لم يتقه مع أنه يخاف يخشى لسطوته وملكه وقوته وقهره فكيف مع ذلك يتقي الأموات الذين لا شوكة لهم ولا سطوة وإذا كان هذا حال الباقر فما ظنك بعلي الذي لا نسبة بينه وبين الباقر في إقدامه وقوته وشجاعته وشدة بأسه وكثرة عدته وعدده وأنه لا يخاف في الله لومة لائم )) (104) .
ولم يكن استنكار الأئمة للتقية مقصدوراً على المتقدمين منهم ، بل هناك أكثر من رواية عن المتأخرين ممن تدعي الإمامية عصمتهم واتباعهم فيها ذم شديد وتقريع عظيم لتفريطهم بأمور الدين بحجة التقية ، فقد روى ابن بابويه في التفسير المنسوب إلى الحسن بن علي العسكري أن جماعة من الشيعة أتوا الرضا فاستأذنوا بالدخول فقال علي بن موسى الرضا لحاجبه بعد انتظار طويل : (( ائذن لهم ليدخلوا ، فدخلوا عليه، فسلموا عليه ، فلم يرد عليهم ، ولم يأذن لهم بالجلوس ، فبقوا قياماً ، فقالوا : يا ابن رسول الله ما هذا الجفاء العظيم والاستخفاف بعد هذا الحجاب الصعب ، أي باقية تبقي منا بعد هذا ؟ فقال الرضا u : اقرؤا ] وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [ [ الشورى : 30 ] ، ما اقتديت إلا بربي عز وجل فيكم ، وبرسول الله صلى الله عليه وسلم وبأمير المؤمنين عليه السلام ومن بعده من آبائي الطاهرين عليهم السلام عتبوا عليكم ، فاقتديت بهم ، قالوا : لماذا يا ابن رسول الله ؟ قال لهم : لدعواكم أنكم شيعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب u ، ويحكم شيعته الحسن والحسين عليهما السلام وسلمان وأبو ذر والمقداد وعمار ومحمد بن أبي بكر ، الذين لم يخالفوا شيئاً من أوامره ولم يرتكبوا شيئاً من فنون زواجره ، فأما أنتم إذا قلتم أنكم شيعته ، وأنتم في أكثر أعمالكم له مخالفون ، مقصرون في كثير من الفرائض ومتهاونون بعظيم حقوق إخوانكم في الله وتتقون حيث لا تجب التقية ، وتتركون التقية حيث لا بد من التقية ... )) (105) وفي هذه الرواية يتضح معناة الأئمة من هؤلاء الاتباع بسبب تهاونهم في أداء شعائر الإسلام ، ولا يمكن أن يدعي الإمامية أن هذه تقية ، لأن الرضا هنا بين شيعته وخاصته حيث لا مجال للتقية أو المداراة .
والشاهد على هذه الرواية ما أخرجه ( شيخ الطائفة ) الطوسي عن أبي حمزة الثمالي قال : (( قال أبو عبد الله u لطائفة من شيعته : وايم الله لو دعيتم لتنصرونا لقتلتم لا نفعل إنما نتقي ! ولكانت التقية أحب إليكم من آبائكم وأمهاتكم ولو قام القائم ما احتاج إلى مسائلتكم عن ذلك ولأقام في كثير منكم حد النفاق )) (106) ، لأن جعفر الصادق كان على علم بأن الشيعة يتاقون الناس في كل شي ، ويسرفون في استعمال التقية حتى تقاعسوا عن نصرة الدين والحق ، فأي شيعة هؤلاء الذين ذمهم أئمتهم في كتبهم ، وأي تقية تلك التي يقام على أثرها حد النفاق ؟.
فهؤلاء سادة أهل البيت الذين تدعي الشيعة الإمامية اتباعهم لم يكونوا يتاقون ، وكان الناس يأخذون الحديث عنهم كما يأخذون عن غيرهم ، والتقية إنما أشاعها رواة الإمامية بين اتباعهم ونسبوها لأئمتهم حيث بدؤا يتقولون على أهل البيت ما لم يقولوه وينسبوا إليهم أفعالاً لم يعملوها ، فلم يجدوا غير التقية لتمرير مثل هذه الأقوال والأفعال في أذهان السذج من بني جلدتهم ، ويدل على ذلك ما رواه الكليني عن الحسن بن أبي خالد قال : (( قلت لأبي عبد الحسن الثاني [ علي الهادي ] u : جعلت فداك إن مشائخنا رووا عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام وكانت التقية شديدة فكتموا كتبهم فلم تروَ عنهم فلما ماتوا صارت الكتب إلينا ، فقال : حدثوا بها فإنها حق )) (107) .