تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مما تقدم من الروايات تعطينا دليلاً على أن التقية هي فعل واجب في أعمال الإمامي ما دام معتقداً بهذا المعتقد ، ومن تركها كان كتارك الصلاة ، روى ابن شعبة الحراني وغيره عن علي بن محمد الهادي ( الإمام العاشر عند الإمامية ) أنه قال : (( لو قلت إن تارك التقية كتارك الصلاة لكنت صادقاً )) (79) ، وقد استنبط علمائهم من هذه الروايات وغيرها عن ( المعصوم ) بأن من ترك التقية فهو كافر ، قال ( المفيد ) : (( اعتقادنا في التقية : أنها واجبة ، من تركها كان بمنزلة من ترك الصلاة )) (80) ، فلا فرق في منزلتها عن منزلة الصلاة التي هي عمود الدين ، ومن قال بجواز تركها من علماء الإمامية ، فإن ذلك من باب المداهنة والمداراة لا من باب تقرير الحقيقة والمعتقد ، فهي أصل الأعمال ومحور الأفعال ، نسأل الله تعالى العصمة من الزلل وسوء العمل .

العمل بالتقية :

إن العمل بالتقية عند الشيعة الإمامية لا يتوقف عند صون النفس وحفظها ، أو ما يتعلق بها من الأموال والأعراض ، بل قد يكون ذلك للتدليس على المسلمين وجلب المحبة ودفع الضغائن إذ هناك أسباب وجيهة تدفعهم لإخفاء عقيدتهم ، قال الشيرازي بهذا الخصوص : (( وغير خفي أن التقية باجمعها تشترك في معنى واحد وملاك عام وهو إخفاء العقيدة وإظهار خلافها لمصلحة أهم من الإظهار .. )) (81) ، إن هذا الإطار العام الذي يضعه الشيعة الإمامية لنطاق التقية عندهم يشمل نواحي الدين بأركانه كافة ، ولا يمكن أن يكون هذا الإخفاء إلا من باب استجلاب المصالح ودرأ الغلو عن أذهان المسلمين بأن هذا الفعل هو جائز شرعاً رغم معارضته للأدلة الشرعية ، حتى اعترف الطبرسي المسمى عندهم بـ ( أمين الإسلام ) بأن التقية لا يمكن أن تكون إلا خداعاً فقال في تفسير قوله تعالى : ] يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا [ [ البقرة : 9 ] قال : (( أي يخادعون المؤمنين بقولهم إذا رأوهم قالوا آمنا وهم غير مؤمنين أو بمجالستهم ومخالطتهم إياهم حتى يفشوا إليهم أسرارهم فينقلوها على أعدائهم ، والتقية أيضاً تسمى خداعاً فكأنهم لما أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر صارت تقيتهم خداعاً )) (82) ، ومن الواضح في عبارة الطبرسي هذه التخبط بين الإمامية في وضع إطار عام لحدود العمل بالتقية ، وفي حقيقة الأمر هي تشمل كل شيء في دينهم ومعتقدهم ، فهي لا حدود لها ، وإن وضعوا لها حدوداً فهي حدود وهمية سرعان ما تزول .

والأصل في الأعمال عند الإمامية التقية إلا في ثلاثة أمور هي قتل النفس والمسح على الخفين ومتعة الحج ، وهذه تدخل في باب مخالفة أهل السنة والجماعة أكثر من كونها ابتعاد عن التقية ، بعبارة أخرى تدخل في باب معارضة المخالفين وعدم التشبه بهم في دار التقية ، وعموم الروايات عن الأئمة في كتب الإمامية تدل على هذا ، فروى بابويه وغيره عن ابن أبي يعفور عن أبي جعفر قال : (( لا إيمان لمن لا تقية له )) (83) ، قال الشيرازي في تنظيره لهذه الرواية والروايات القريبة منها : (( فهي تدل على وجوب التقية إجمالاً في مواردها وأنها من أهم مسائل الدين )) (84) ، وقد أعطت هذه الروايات بعداً غير متناهٍ للتقية بحيث لا يمكن معرفة تقية الإمامية من ثباتهم وعزيمتهم ، ولا يقتصر ذلك على معاملاتهم مع ( المخالفين ) وإنما انتقل إلى معاملاتهم وعلاقتهم فيما بينهم ، بحيث أصبح من الصعوبة بمكان معرفة عمل التقية من عدمه حتى بين أفراد هذه الطائفة نفسها ؛ لأنها تعد من ضروريات المذهب التي لا غنى عنها .

وقد وردت الروايات في كتب الإمامية تعضد ما ذهبنا إليه من أن الأصل هو العمل بالتقية وما عداه فهو من باب الرخصة ، فقد روى ابن بابويه وغيره عن أبي عمر الأعجمي عن أبي عبد الله قال : (( التقية في كل شيء إلا في النبيذ والمسح على الخفين )) (85) ، وروي أيضاً عن زرارة قال : (( قلت لأبي عبد الله u : في المسح على الخفين تقية ؟ فقال : ثلاثة لا أتقي فيهن أحداً شرب المسكر ومسح الخفين ومتعة الحج ، قال زرارة ولم يقل الواجب عليكم أن لا تتقوا فيهن أحداً )) (86) ، ودلالة هذه الروايات في كتب الإمامية هي مخالفة أهل السنة والجماعة ( المخالفين ) في الأحكام الشرعية ، وعدم التشبه بأعمالهم التعبدية حتى لو كانت موافقة للكتاب والسنة ، وقد اعترف البنجوري بهذا التقرير عندما قال : (( إن هذه الروايات الكثيرة التي هي فوق حد الاستفاضة على الأذن والرخصة في امتثال الواجبات موافقة للمخالفين تقية ... )) (87) ، ولم يستبعد البعض من علمائهم التقية في هذه الأمور أيضاً إن كانت هناك مصلحة في ارتكابها : (( لأن المسح على البشرة أو متعة الحج ليس أهم من جميع الأحكام الإسلامية حتى ينفرد بهذا الاستثناء )) (88) .

المفصل في أحكام الهجرة · الصفحة ١٣٥٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الهجرةص ١٣٥٢