إن ما تقدم من كلام يعطينا دلالة قاطعة على أن العمل بالتقية عند الإمامية لا يتوقف عند حد من الحدود المحرمة حتى لو كانت في شرب الخمر والمسح على الخفين المحرم بزعمهم ، لأن ما يصدر منهم من قول أو فعل يمكن حمله على التقية ، فلا يمكن أن تلزمهم بشيء أصلاً، أو تعتمد على ما يصدر منهم من أفعال ، وهذا الأمر مشهور بينهم منذ ظهورهم ، قال الشهرستاني : (( فكل ما أرادوا تكلموا به فإذا قيل لهم في ذلك إنه ليس بحق وظهر لهم البطلان قالوا إنما قلناه تقية وفعلناه تقية )) (89) ، وقد واجهت هذه المعضلة شيخ الإسلام ابن تيمية عندما كتب رداً على ابن المطهر الحلي المعروف عندهم بـ ( العلامة ) ، ونبه على ذلك : (( حيث يقولون ديننا التقية وهو أن يقول أحدهم بلسانه خلاف ما في قلبه وهذا هو الكذب والنفاق ويدعون مع هذا أنهم هم المؤمنون دون غيرهم من أهل الملة )) (90) ، ووافقه الغزالي في هذا الحكم فقال : (( وكل زنديق مستتر بالكفر يرى التقية دينا ويعتقد النفاق وإظهار خلاف المعتقد عند استشعار الخوف حقا )) (91) ، وهذا الكلام يعطينا صورة واضحة لحكم العمل بالتقية دون ضرورة ملحة وحاجة شديدة ، كما وتؤدي إلى انتشار النفاق بين من يعتقد بالتقية عقيدة ومنهجاً .
أهل البيت والتقية :
يدعي الإمامية بأن التقية بدأت مع الأئمة منذ وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان ذلك عندما اختار المسلمون قاطبة ، بما فيهم أهل البيت أبا بكر الصديق خليفة للمسلمين ، وهذا الإدعاء لا يمكن أن يثبتوه حتى بالروايات المدونة في كتبهم على غرابتها وتناقضها وكثرتها ، فلم ترد في كتبهم رواية تصرح تصريحاً واضحاً بأن علياً أو أبنائه قال بالتقية ، بل الروايات الواردة عنهم في هذا الباب من أقوال وأفعال تناقض هذه العقيدة في الغالب ، بعبارة أخرى لم نرَ رواية تحث على الأخذ بالتقية صراحة للأئمة الخمس الأوائل الذين تدعي الإمامية اتباعهم ، وإنما الروايات المشهورة في كتب القوم أكثر ما نقلت عن جعفر الصادق ومن جاء بعده ، وأما والده محمد الباقر فقد وردت عنه بضع روايات وقع فيها التصريح بالتقية .
والسؤال الذي يطرح نفسه : متى ظهرت هذه العقيدة بشكلها الحالي عند الشيعة الإمامية؟.
بطبيعة الحال سنحاول تحقيق هذه المسألة بالاعتماد على الروايات الواردة في كتب الإمامية ؛ لأن هذا كما هو معروف مهم في إلزامهم بالحجة البالغة والدليل الدامغ ، فهم لا يؤمنون إلا بما في هذه الكتب ، ويرفضون أي رواية أخرى وردت في كتب المسلمين .
لا بد أن نقرر منذ بداية التاريخ الذي بدأت فيه روايات الإمامية تتخذ منحى التقية سبيلاً لها ، وإشاعة هذه العقيدة على ألسنة أئمتهم ، فمن المؤكد أن التقية قد ظهرت بين الإمامية في حياة الإمام زيد بن علي ( ت 121هـ ) ، إذ روى الطبري وغيره أن زيداً عندما أراد الخروج على بني أمية خرج معه سواد عظيم من أهل الكوفة ، كان معظمهم من الشيعة ، فطلبوا منه أن يتبرأ من الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، فامتنع من ذلك وترضى وترحم عليهما ، فرفضه السواد الأعظم منهم ، (( فقال : اذهبوا فأنتم الرافضة ))(92) ، وهذا يدل على أن هؤلاء القوم لم يكونوا قد اعتنقوا عقيدة ( التقية ) بعد ، بل إنهم لم يعرفوها أصلاً وإلا لكانوا قد خرجوا معه ؛ لأن زيد بن علي بشهادة جعفر الصادق كان هو وعلى بين أبي طالب بمنزلة واحدة .
الرواية التي نعني هي هذه الرواية ، التي تثبت في الوقت نفسه ، صحة خروج زيد بن علي على بني أمية بشهادة حفيده الصادق ، فمن ذلك ما رواه الكليني عن الأحول(93) : (( أن زيداً بن علي بعث إليه وهو مختف ، قال : فأتيته ، فقال : يا أبا جعفر ما تقول إن طرقك طارق منا ، أتخرج معه ..؟ ، قال : فقلت له إن كان فهو أباك أو أخاك ، خرجت معه ؛ فقال لي : أريد أن أخرج فأجاهد هؤلاء القوم فاخرج معي ، فقلت : لا أفعل جعلت فداك ، فقال : أترغب بنفسك عن نفسي ، فقلت : إنما هي نفسٌ واحدة ، فإن كان لله في الأرض حجةً ، فالمتخلف عنك والخارج معك سواء ؛ فقال : يا أبا جعفر كنت اجلس مع أبي في الخوان ، فيلقمني البضعة السمينة ، ويبرد لي اللقمة حتى تبرد شفقةً عليّ ، ولم يشفق عليّ حرّ النار إذ أخبرك ولم يخبرني ، فقال : فقلت : خاف عليك أن لا تقبل فتدخل النار ، واخبرني فإن قبلت نجوت ، وإن لم اقبل لم أبال أن أدخل النار ))(94) ، ولا يمكن للمتتبع لروايات الإمامية إلا أن يتعجب من تلك الثقة المطلقة التي ألقيت على روايات الأحول ، مقارنة بما قاله الإمام زيد بن علي ، بل أن الإمامية يمكن أن يكذبوا زيداً على حساب تصديق الأحول ، ولا يخفى على القارئ سذاجة رد الأحول على زيد بن علي .