تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن التقية التي يعنيها المظفر هنا ليست هي عمل الأئمة ، فالقاصي والداني يعرف أن أئمة أهل البيت كانوا أبعد الناس عنها ، كما هو مذكور في كتب الشيعة الإمامية أنفسهم ، وإنما الذي يعنيه هنا أن كثرة الكذب الذي نسبه رواة الشيعة الإمامية إلى أئمة أهل البيت هو الذي دفعهم للتخفي ووضع شعار التقية ملاذاً لهم من أذى الناس كافة ، وهذا الأمر يقر به الإمامية قبل غيرهم ، ولذا فمن الطبيعي أن يعود المظفر فيقر ويعترف أن هذه الصفة تخصهم دون سائر الخلق ، وتعني عقيدة المفارقة لسبيل المؤمنين حيث قال : (( وما زالت سمة تُعرف بها الإمامية دون غيرها من الطوائف والأمم ))(67).

حكم التقية :

بعد أن بينا عقيدة التقية عند الإمامية ، وما حواه مضمونها من أقوال علمائهم ، لا بد أن نوضح حكم التقية على وفق الأصول التي يسير عليها الإمامية في معتقدهم ، والملفت للنظر تخبط علماء الإمامية في تقرير وجوبها أو عدمه ، ففي حين قال ( المفيد ) : (( والتقية واجبة لا يجوز رفعها إلى أن يخرج القائم عليه السلام ، فمن تركها قبل خروجه فقد خرج عن دين الله تعالى وعن دين الإمامية ، وخالف الله ورسوله والأئمة عليهم السلام )) (68) ، فإن الطبرسي قيد وجوبها بالخوف على النفس عندما قال : (( والتقية عندنا واجبة عند الخوف على النفس ، وقد روى رخصة في جواز الإفصاح بالحق عندها )) ثم أورد قصة الرجلين مع مسيلمة وقول النبي صلى الله عليه وسلم لهما ، وعلق عليها بقوله : (( فعلى هذا تكون التقية رخصة والإفصاح بالحق فضيلة )) (69) ، وقد نشأ هذا الاختلاف بين الإمامية في حكم التقية من تناقض الروايات – على كثرتها – عن الأئمة في جواز العمل بها أو عدمه، على أن الراجح من أصولهم بلا شك هو وجوبها عموماً ، وجواز تركها أحياناً .

أما علماء الإمامية المعاصرون فإن نظرتهم للتقية لا تختلف عن نظرة أسلافهم ، إذ يترجح وجوبها عموماً عندهم قال البجنوري : (( لا شك في جواز الحكم التكليفي للتقية ، بل وجوبه في بعض الأحيان ، وجوازه من القطعيات واليقينيات )) (70) ، ولم يكن هذا التمييع لحكم التقية من باب الاجتهاد واختلاف الآراء فحسب ، بل من تخبط علماء الإمامية في استيعاب المصطلحات وعدم التفريق بين وقوع الجرم من جهة والتهديد بفعله من جهة أخرى ، بعبارة أدق عدم التفريق بين الإكراه والتقية قال الشيرازي : (( إن الحق عدم التفريق بين العنوانين الإكراه والتقية من حيث الملاك والمغزى ... )) (71) ، ولا يصح هذا الاستدلال في عدم التفريق بين الأمرين إذ من المعروف أن للإكراه أحكام أخرى لا يمكن أن تكون بأي حال من الأحوال في محل التقية ، ويختلف مدلول كل منها كما هو مشهور بين أهل الأصول عند الفريقين وقد مر في المبحث الأول تفريق أهل السنة – خاصة الحنابلة - بين الأمرين ، وهو الحق بأذن الله .

ولا يمكن لنا الإحاطة بحكم التقية عند الشيعة الإمامية إلا بالاستعانة بالروايات التي ينسبونها لأئمة البيت ، والتي فيها حث عظيم للشيعة بالأخذ بالتقية على كل حال وعند كل الأفعال ، اللهم إلا في المسائل التي تتفق مع أهل السنة والجماعة ، والتي سنأتي على بيانها إن شاء الله .

فمن ذلك ما رواه الكليني وغيره عن أبي عمر الأعجمي قال : (( قال لي أبو عبد الله u : يا أبا عمر إن تسعة أعشار الدين في التقية ، ولا دين لمن لا تقية له )) (72) ، وروى الكليني أيضاً عن أبي بصير قال : (( قال أبو عبد الله u : التقية من دين الله ، قلت : من دين الله ؟! قال : أي والله من دين الله )) (73) ، وروى أيضاً عن حبيب بن بشر قال : (( قال أبو عبد الله u سمعت أبي يقول : لا والله ما على وجه الأرض شيء أحب من التقية ! ، يا حبيب من كان له تقية رفع الله ، يا حبيب من لم تكن له تقية وضعه الله )) (74) ، والروايات في كتب الإمامية كثيرة لا يمكن أن نوردها هنا ، وما هذه الروايات إلا أنموذج لها ، قال البجنوري : (( أما الروايات ففوق حد الاستفاضة بل لا يبعد تواترها معنى وقد عقد في ( الوسائل ) أبوباً لها )) (75) ويعني به ( وسائل الشيعة ) للحر العاملي(76) .

لا يجوز ترك العمل بالتقية عند الإمامية إلا عند خروج صاحب الزمان الذي يؤمنون بخروجه، فإذا خرج فحينئذ ترفع التقية وتعود الأشياء إلى أصلها ! ، فقد روى ابن بابويه القمي عن الحسين بن خالد قال : (( قال علي بن موسى الرضا عليهما السلام : لا دين لمن لا ورع له ، ولا إيمان لمن لا تقية له ، إن أكرمكم عند الله أعملكم بالتقية ، فقيل له : يا ابن رسول الله إلى متى ؟ قال : إلى يوم الوقت المعلوم وهو يوم خروج قائمنا أهل البيت ، فمن ترك التقية قبل خروج قائمنا فليس منا )) (77) ، قال الشيرازي في تعليقه على هذه الرواية : (( وفيها دليل على أن التقية من أعظم القربات وأشرف أخلاق الأئمة )) (78) .

المفصل في أحكام الهجرة · الصفحة ١٣٥١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الهجرةص ١٣٥١