وربما وردت في كتبهم روايات من هذا القبيل في ذم ( المخالفين ) وعدم الصلاة خلفهم والاقتداء بأئمتهم ، فقد روى الكليني وغيره عن ثعلبة بن ميمون قال : (( سألت أبا جعفر u عن الصلاة خلف المخالفين ؟ فقال : فما هم عندي إلا بمنزلة الجدر )) (60) ، قال مرتضى الأنصاري ( وهو من علمائهم العارفين بأصولهم ) في تعليقه على هذه الرواية : (( إن وجود الإمام المخالف لا يتفاوت مع عدم الإمام أصلاً ، ولا يترتب على وجوده في نظر الشارع حكم شرعي )) (61) ، وبعبارة أخرى أن وجود ( الإمامي ) بين جماعة المصلين من أهل السنة لا يترتب عليه أي حكم شرعي لأنه يصلي مع ( مخالفين ) له في عقيدته واعتقاده ، ونظير هذا كما قرره الأنصاري صلاته خلف رجل ثم اتضح أنه يهودي ! لأن التقية عند الإمامية لا تفرق بين الكافر الأصلي وبين ( المخالف ) ، قال الشيرازي في تقرير عقيدة التقية عند أصحابه وفق هذا المفهوم : (( ومن الواضح أنه ليس في شيء من ذلك اختصاص بالمخالفين ، بل لا فرق في ذلك بينهم وبين الكافرين ... )) (62) .
وقد يسأل متسائل عن مغزى تسمية الإمامية لمن لا يشاطرهم عقيدتهم بـ ( المخالفين ) ، وماذا يجب أن يعتقد الإمامي تجاهه ؟ ، ولا نريد أن نذهب بعيداً ونبحر بالأدلة الأصولية والعقلية لبيان هذه التساؤلات ، إذ أن روايات الإمامية تجيب عن هذه التساؤلات وغيرها مما يكشف لنا مضون التقية بأغلب معانيها :
من ذلك ما رواه حمران بن أعين قال : (( قلت : لأبي عبد الله u إنهم يقولون : لا تعجبون من قوم يزعمون أن الله يخرج قوماً من النار فيجعلهم من أصحاب الجنة مع أوليائه ، فقال : أما يقرؤن قول الله تبارك ] وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ [ [ الرحمن : 62 ] إنها جنة دون جنة ونار دون نار إنهم لا يساكنون أولياء الله ، وقال : بينهما والله منزلة ولكن لا أستطيع أن أتكلم ، إن أمرهم لأضيق من الحلقة ، إن القائم لو قام لبدأ بهؤلاء )) (63) ، وقال المجلسي في تعليقه على هذه الرواية وبيان ما خفي من معانيها رافعاً لستار التقية عن قلمه : (( بيان قوله u : ( إن أمرهم ) أي : المخالفين ، ( لأضيق من الحلقة ) أي : الأمر في الآخرة مضيق عليهم لا يعفى عنهم كما يعفى عن مذنبي الشيعة ، ولو قام القائم لبدأ بقتل هؤلاء قبل الكفار ، فقوله لا أستطيع أن أتكلم في تكفيرهم تقية ، والحاصل أن المخالفين ليسوا من أهل الجنان ولا من أهل المنزلة بين الجنة والنار وهي الأعراف، بل هم مخلدون في النار )) (64).
ولا ريب أن في كلام المجلسي هذا يرفع اللثام عن عقيدة الإمامية ومغزى مصطلح التقية، إذ في كلامه تفريق واضح بين ( المخالفين ) والكفار ، لأن ( المخالفين ) في نظره ونظر قائمه أسوء حالاً من الكفار الأصليين ، حيث يبدأ أولاً بقتلهم وسفك دمائهم قبل قتل اليهود والنصارى والبوذيين والهندوس ، ثم إن هؤلاء ( المخالفون ) خالدون مخلدون في النار ، وهذا ما يعتقده الإمامية بعيداً عن ستار التقية أو المداراة ، وفيه يتضح الفرق الجذري والواضح بين مفهوم التقية عند أهل السنة والجماعة ومفهومها عند الإمامية ، وكيف حرّف الإمامية معناها الموجه للكفار الأصليين ، إلى المسلمين ( المخالفين ) لهم من أهل السنة والذين لا يدينون بدينهم ، ولا يعتقدون بأئمتهم الاثني عشرية ، وكل ما يرد في كتب القوم غير هذا الكلام فاعلم أنه ( تقية ) .
فالتقية قريبة إلى واقع الإمامية نظراً لما حملوه في قلوبهم من إخفاء لعقائدهم بعد أن ازاد اضطهاد الناس لهم بسبب سوء اعتقادهم ولعنهم لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتكفيرهم المخالفين كما هو مشهور عنهم ، ومن الصعب عند علماء الإمامية بيان المغزى الحقيقي من وراء هذه العقيدة ، إذ يتخبطون في تبريرها فيفسرونها أحياناً بكونهم قلة مستضعفة وسط بيئة متسلطة ، قال الشيرازي : (( إن التقية ديدن كل أقلية يسيطر عليهم الأكثرون ولا يسمحون لهم بإظهار عقائدهم أو العمل على وفقها فيخافون على أنفسهم )) (65) ، ويتجاهل الشيرازي في كلامه هذا سبب إخفاء مثل هذه العقيدة أو سبب بغض المسلمين لها ، ولماذا لا يتقبل الاكثرون هذه العقيدة ؟ ، والجواب عن مثل هذا السؤال لا بد أن يكمن في نفوس هؤلاء القوم الذين يحملّون أنفسهم أوزاراً فوق أوزارهم ، قال عالم آخر من علمائهم المعاصرين : (( ومن المعلوم أنّ الإمامية وأئمّتهم لاقوا من ضروب المحن، وصنوف الضيق على حرياتهم في جميع العهود ما لم تلاقهِ أيّة طائفة أو أُمَّة أُخرى فاضطرّوا في أكثر عهودهم إلى استعمال التقيّة بمكاتمة المخالفين لهم، وترك مظاهرتهم، وستر اعتقاداتهم وأعمالهم المختصة بهم عنهم )) (66) .