تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

6. شدد بعض العلماء على ضرورة التفريق بين التقية وبين النفاق ، فالنفاق هو أن يظهر الإيمان ويستر الكفر , وقد يطلق النفاق على الرياء ، والتقية هي إبطان الإيمان وإظهار الكفر عند الضرورة كما تقدم ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية : (( أساس النفاق الذي بني عليه هو الكذب , وأن يقول الرجل بلسانه ما ليس في قلبه , كما أخبر الله تعالى عن المنافقين أنهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم )) (51) ، والصلة بين التقية وبين النفاق , أن المنافق كافر في قلبه لكنه يظهر بلسانه وظاهر حاله أنه مؤمن ويعمل أعمال المؤمنين ليأمن على نفسه في المجتمع الإسلامي وليحصل الميزات التي يحصلها المؤمن ، فهو مغاير للتقية , لأنها إظهار المؤمن عند الخوف على نفسه ما يأمن به من أمارات الكفر أو المعصية مع كراهته لذلك في قلبه , واطمئنانه بالإيمان .

من خلال ما تم عرضه يتبين مذهب أهل السنة والجماعة في مسألة التقية ، والأصل فيها الحضر ولا يجوز اللجوء إليها إلا عند الضرورة القصوى ، مع أن بعض العلماء فضل الأخذ بالعزيمة والثبات على الأخذ بها ، علماً بأن جمهور العلماء قال بإباحتها عند الضرورة كإباحة الميتة والخنزير عند الخشية من هلاك النفس من الجوع ، وأنت ترى أن فقهاء أهل السنة عدوها من فروع الدين وليس من أصوله فبحثوها في كتب الفقه والتفسير ، وليس في كتب أصول الدين والعقيدة ، وفي هذا تعضيد لعمق نظرهم وعظيم فهمهم .

المبحث الثاني

التقية عند الإمامية

عقيدة التقية :

لابد من الإشارة منذ البداية أن التفسير اللغوي للتقية ليس فيه اختلاف بين أهل السنة والجماعة والشيعة الإمامية ، إلا أن الاختلاف يبدأ من المدلول الاصطلاحي للتقية ، وهي تتخذ خصوصية أكثر بهذا الاتجاه ، إذ أن لها أكثر من مدلول ومغزى يتأرجح ما بين الفقه والأصول والكلام ، وقد يختلف مفهومها باختلاف هذه المباحث في كتب القوم ، ورغم أن علماء هذه الفرقة يدعون أن هذه المفاهيم متقاربة ومتجانسة ، إلا أنها بواقع الحال تفقد مثل هذا التقارب عند الغور في معانيها المختلفة نظراً لوضعها محوراً من محاور العقيدة الأساسية في كتبهم ومؤلفاتهم ، وبالتالي اعتمادهم الكلي عليها في تعليق وتأويل ورفض روايات كثيرة ثابتة في كتبهم عن الأئمة بسبب موافقتها لروايات أهل السنة .

إن أهم التعاريف التي يقدمها علماء الشيعة الإمامية للتقية ويبدءون بها كلامهم هو تعريف ( المفيد ) الذي قال فيه : ((كتمان الحق وستر الاعتقاد فيه ، ومكاتمة المخالفين وترك مظاهرتهم بما يعقب ضرراً في الدنيا والدين )) (52) ، وهو من أشهر العبارات التي يعتمدها الإمامية في تعريفهم للتقية ، ومع ذلك فقد عرفها مرتضى الأنصاري بقوله : (( المراد منها التحفظ عن ضرر الغير بموافقته في قول أو فعل مخالف للحق ))(53) ، ومن كلام المعاصرين من علمائهم في تعريفها قول الشهرستاني : (( التقية إخفاء أمر ديني لخوف الضرر من إظهاره )) (54) ، وما قاله أيضاً حسن البجنوري في بيانها : ((هي عبارة عن إظهار الموافقة مع الغير في قول أو فعل أو ترك فعل يجب عليه حذرا من شره الذي يحتمل صدروه بالنسبة إليه أو بالنسبة إلى من يحبه مع ثبوت كون ذلك القول أو ذلك الفعل أو ذلك الترك مخالفا للحق عنده )) (55) .

وأقرب هذه التعاريف إلى قلوب الإمامية والمعتمد والمرجح في كتبهم هو تعريف (المفيد)؛ الذي حدد فيه حدود التقية بقوله ( مكاتمة المخالفين ) ويعني بالمخالفين هنا كل من خالف عقيدة الإمامية في إقرارهم بالأئمة الاثني عشر ، كما أوضح ذلك شيخ الإمامية الأول ابن بابويه الذي يسمونه ( الصدوق ) في معرض كلامه حول قوله تعالى : ] الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [ [ البقرة : 3 ] حيث قال : (( لا يصح إيمان المخالفين بالبعث والنشور والحساب والثواب والعقاب ... ولا يكون الإيمان صحيحاً من مؤمن إلا من آمن بالمهدي القائم عليه السلام والأئمة عليهم السلام )) (56) ، والمراد بكلمة ( المخالفين ) في كتب الإمامية هم أهل السنة الذين يخالفون عقيدتهم وأصولهم ، قال المفيد فيما نقله عنه تلميذه الطوسي : (( إن المخالف لأهل الحق كافر فيجب أن يكون حكمه حكم الكفار )) (57) ، وهذا الحكم يمكن إطلاقه على الصحابة فمن دونهم من أهل السنة ، بل ويطلقونه أيضاً على الشيخين ، قال المجلسي في تقرير عقيدة الإمامية بالشيخين رضي الله عنهما : (( ... وقع التصريح باسم صنمي قريش وشيخي المخالفين الذين كانوا يقدمونهما على أمير المؤمنين u ... )) (58) فصنمي قريش تسمية مشهورة عند الإمامية للشيخين رضي الله عنهما، قال المجلسي في مكان آخر : (( وصنمي قريش أبا بكر وعمر )) (59) ، ولا نظير لكلمة أخرى يمكن أن يتستر بها الإمامية من أجل مداراة تقيتهم عن أهل السنة والجماعة إلا كلمة ( المخالفين ) التي تحتمل وجوهاً ، ولكن الأمر الذي لا شك فيه أنهم يعنون بها أهل السنة وغيرهم من فرق المسلمين ممن لا يقرون بعقيدة الإمامة .

المفصل في أحكام الهجرة · الصفحة ١٣٤٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الهجرةص ١٣٤٩