4. ويشترط لجواز التقية أن لا يكون للمكلف مخلص من الأذى إلا بالتقية , وهذا المخلص قد يكون الهرب من القتل أو القطع أو الضرب , وقد يكون التورية عند الإكراه على الطلاق , وعدم الدهشة وهذا عند بعض الفقهاء ويكون ذلك باللسان دون القلب أو اليد كما هو مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما(44) , وقد تكون الهجرة من بلد الكفر إلى بلد الإسلام، فإن أمكنته الهجرة لم يكن له موالاة الكفار وترك إظهار دينه لقوله تعالى : ] إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [ [ النساء : 97 ] ، قال الآلوسي : (( اعتذروا عن تقصيرهم في إظهار الإسلام وعن إدخالهم الخلل فيه وعن العجز عن القيام بواجبات الدين بأنهم كانوا مقهورين تحت أيدي المشركين , وأنهم فعلوا ذلك كارهين ، فلم تقبل الملائكة عذرهم لأنهم كانوا متمكنين من الهجرة , فاستحقوا عذاب جهنم لتركهم الفريضة المحتومة )) (45) ، ومقتضاه أن من كان مقهورا لا يقدر على الهجرة حقيقة لضعفه أو لصغر سنه وسواء أكان رجلا أم امرأة بحيث يخشى التلف لو خرج مهاجرا فذلك عذر في الإقامة وترك الهجرة ، وقد صرحت بهذا المعنى الآية التالية للآية السابقة وهي : ] إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً [ [ النساء : 98 ] وقال الآلوسي أيضا : (( كل مؤمن وقع في محل لا يمكن له أن يظهر دينه لتعرض المخالفين وجب عليه الهجرة إلى محل يقدر فيه على إظهار دينه , ولا يجوز له أصلا أن يبقى هناك ويخفي دينه ويتشبث بعذر الاستضعاف , فإن أرض الله واسعة ، نعم إن أكان ممن له عذر شرعي في ترك الهجرة كالنساء والصبيان والعميان والمحبوسين والذين يخوفهم المخالفون بالقتل أو قتل الأولاد أو الآباء أو الأمهات تخويفا يظن معه إيقاع ما خوفوا به غالبا , سواء كان هذا القتل بضرب العنق أو حبس القوت أو بنحو ذلك , فإنه يجوز له المكث مع المخالف , والموافقة بقدر الضرورة ويجب عليه أن يسعى في الحيلة للخروج والفرار بدينه . وإن كان التخويف بفوات المنفعة أو بلحوق المشقة التي يمكن تحملها كالحبس مع القوت , والضرب القليل غير المهلك فإنه لا يجوز له موافقتهم )) (46) .
5. ويشترط أن يكون الأذى المخوف وقوعه مما يشق احتماله . والأذى إما أن يكون بضرر في نفس الإنسان أو ماله أو عرضه . أو في الغير , أو تفويت منفعة . فالأول كخوف القتل أو الجرح أو قطع عضو أو الحرق المؤلم أو الضرب الشديد أو الحبس مع التجويع ومنع الطعام والشراب . وقال المالكية : أو خوف صفع ولو قليلا لذي مروءة على ملأ من الناس(47) . أما التهديد اليسير فلا تحل به التقية ولا يجيز إظهار موالاة الكافرين أو ارتكاب المحرم ، بل المنقول عن الأئمة خلافه ، وإن كان يخشى على نفسه الهلاك عند وقوع التهديد العظيم فلا بأس بإظهار التقية عند ذلك ، فقد روى شريح أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : (( ليس الرجل بأمين على نفسه إذا سجن أو أوثق أو عذب )) (48) ، وفرق الحنابلة بين هذا وبين الإكراه فمن ضرب ضرباً شديداً أو يسيراً في حق ذي مروءة أو الحبس والقيد الطويلان أو أخذ المال الكثير والإخراج من الديار ، أما إن كان ذلك تهديداً فهو إكراه وهو يختلف كما قرر ذلك القاضي أبو يعلى ، واستحسن هذا القول ابن عقيل(49) ، أي يختلف باختلاف الأشخاص واختلاف الأمر المكره عليه والأمر المخوف به ، ولكن يمكن القول بأن الأمر على إطلاقه ، وأما خوف فوت المنفعة فقد قال فيه الآلوسي : إنه لا يجيز التقية(50) . وذلك كمن يخشى إن لم يظهر المحرم أن يفوته تحصيل منصب أو مال يرجو حصوله وليس به إليه ضرورة ، وهذا هو الصواب ويدل عليه من القرآن قوله تعالى : ] وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ [ [ آل عمران : 187 ] وفيها ذمهم الله تعالى على الكتمان في مقابلة مصالح عاجلة ، أي من مال أو جاه ؛ لأن قول الكذب والغيبة والنميمة ونحوها وقول الإنسان بلسانه خلاف ما في قلبه كل ذلك محرم والكاذب مثلا لا يكذب إلا لمصلحة يرجوها من وراء كذبه , ولو سئل لقال إنما كذبت لغرض كذا وكذا أريد تحصيله , فلو جاز الكذب لتحصيل المنفعة لعاد كل كذب مباحا ويكون هذا قلبا لأحكام الشريعة وإخراجا لها عن وضعها الذي وضعت عليه .