5. التقية جائزة لصون النفس , وهل هي جائزة لصون المال ؟ يحتمل أن يحكم فيها بالجواز , لقوله صلى الله عليه وسلم : (( حرمة مال المسلم كحرمة دمه )) (30) ولقوله صلى الله عليه وسلم ((من قتل دون ماله فهو شهيد )) (31) ولأن الحاجة إلى المال شديدة القدر من نقصان المال , فكيف لا يجوز هاهنا ؟ ، واعترض على ذلك بقصة صهيب الرومي عندما خرج مهاجراً من مكة إلى المدينة فاعترضه رهط من قريش فاشترى نفسه بماله وفيه نزل قوله تعالى : ? وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ? [ البقرة : 207 ] (32) ، وهذا هو الذي يترجح لدينا .
6. قال مجاهد : هذا الحكم كان ثابتا في أول الإسلام لأجل ضعف المؤمنين فأما بعد قوة دولة الإسلام فلا , وروي عن الحسن أنه قال : (( التقية جائزة للمؤمنين إلى يوم القيامة )) (33) , وهذا القول أولى , لأن دفع الضرر عن النفس واجب بقدر الإمكان .
شروط العمل بالتقية :
من المفيد هنا أن نذكر الشروط التي وضعها العلماء لجواز العمل بالتقية ، إذ لا يصح اللجوء إليها إلا بتوفر الأسباب الموجبة لذلك ، وإلا كان فاعلها آثماً لا عذر له في إرتكابها ، والعمل بالتقية عند أكثر العلماء يجب أن يكون محظوراً ولا ينساق خلفه بحيث يكون وسيلة لنيل المحرمات ، كما قال تعالى : ] فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ [ [ البقرة : 173 ] وفسر الباغي في هذه الآية الكريمة بمن أكل الحرام وهو يجد الحلال , وفسر العادي بمن أكل من الحرام فوق ما تقتضيه الضرورة(34) ، ولذا وضع العلماء شروطاً لا يجب الخروج عنها في حالة اضطرار العبد إلى التقية وهي(35) :
1. يشترط في جواز التقية أن يكون هناك خوف من هلاك النفس أو العرض ، وتردد البعض في المال ، فإن لم يكن هناك خوف ولا خطر لم يجز ارتكاب المحرم تقية ، قال الجصاص : (( قوله صلى الله عليه وسلم لعمار : (( إن عادوا فعد )) ، إنما هو على وجه الإباحة لا على وجهة الإيجاب ولا على الندب وقال أصحابنا الأفضل أن لا يعطى التقية ولا يظهر الكفر حتى يقتل )) (36) ، من هنا يتضح ما قدمنا من أن من قال باستحباب التقية عند القتل قد أبعد وإنما الأمر مباح ، وهو دون المستحب ، وهذا الذي يترجح من قول الجصاص ، وهو الراجح من مذهب الحنابلة ، قال القاضي أبو يعلى : (( الأفضل أن لا يعطى التقية ولا يظهر الكفر حتى يقتل واحتج بقصة عمار وخبيب بن عدى حيث لم يعط خبيب أهل مكة التقية حتى قتل فكان عند المسلمين أفضل من عمار والله أعلم )) (37) .
2. تدل آية ( التقية ) أن هذا الأمر مخصوص عند غلبة الكفار ، أو غلبة الفسق والفجور والظلم في دار الإسلام ، فلا بأس بالتقية لعصم الدماء ، قال ابن مسعود : (( ما من كلام أتكلم به بين يدي سلطان يدرأ عني به ما بين سوط إلى سوطين إلا كنت متكلماً به )) (38) ، وقال السرخسي : (( وإنما أراد بيان جواز التقية في إجراء كلمة الكفر إذا أكرهه المشرك عليها ، فالظالم هو الكافر ، قال تعالى : ? وَالْكَافِرُونَ هُمْ الظَّالِمُونَ ? [ البقرة : 254 ] )) (39) .
3. أن يعلم أنه إنْ نطق بالكفر ونحوه تقية يترك بعد ذلك ، وهذا الاشتراط منقول عن الإمام أحمد , فقد سئل عن الرجل يؤسر فيعرض على الكفر ويكره عليه , هل له أن يرتد ؟ - أي ظاهراً - فكرهه كراهة شديدة وقال : (( ما يشبه هذا عندي بالذين أنزلت فيهم الآية من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أولئك كانوا يرادون على الكلمة ثم يتركون يفعلون ما شاءوا , وهؤلاء يريدونهم على الإقامة على الكفر وترك دينهم )) (40) ، وقال ابن مفلح : (( وكأنه يشير إلى قصة عمار حين أخذه المشركون وأرادوه على الشرك ... )) (41) . وعلق ابن قدامة على كلام الإمام أحمد بقوله : (( وذلك لأن الذي يكره على كلمة يقولها ثم يخلى لا ضرر فيها , وهذا المقيم بينهم يلتزم بإجابتهم إلى الكفر المقام عليه واستحلال المحرمات وترك الفرائض والواجبات وفعل المحظورات والمنكرات وإن كان امرأة تزوجوها واستولدوها أولادا كفارا ، وكذلك الرجل ، وظاهر حالهم المصير إلى الكفر الحقيقي والانسلاخ من الإسلام )) (42) . ثم احتج بقصة أصحاب الأخدود التي تقدمت ، قال الحسن البصري في الحث على الثبات وعدم الأخذ بالتقية : (( إنما التقية رخصة ، والفضل القيام بأمر الله )) (43) ، وخلاصة ما تقدم في هذه الفقرة أن على المسلم المقيم بين ظهراني الكفار إن أجبر على الكفر مرة أن يظهر ذلك تقية ، ولكن هذا الأمر ليس على إطلاقه ، فإن كان هؤلاء يصرون على أجراء أحكام الكفر عليه ، بحيث لا يبقى للإسلام رسم في قلبه ، فعليه حينئذ الهجرة من هذه الدار والهروب من هؤلاء القوم بدينه وإيمانه ، وهذا ما سنبينه في الفقرة الآتية .