تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وحكى الله تعالى موقفاً مشابهاً مع أحد الطغاة ، وهم سحرة فرعون الذين قالوا له بعد إيمانهم برب العالمين ، وإنذار فرعون لهم بالعذاب العظيم : ] قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا [ ، [ طه : 72 ] قال ابن كثير : (( أي لن نختارك على ما حصل لنا من الهدى واليقين والذي فطرنا وخالقنا الذي أنشأنا من العدم المبتدي خلقنا من الطين فهو المستحق للعبادة والخضوع لا أنت ، فاقض ما أنت قاض أي افعل ما شئت وما وصلت إليه يدك إنما يقضي هذه الحياة الدنيا ، أي إنما لك تسلط في هذه الدار وهي دار الزوال ونحن قد رغبنا في دار القرار )) (21) ، والآيات في هذا الباب كثيرة معلومة .

أما ما جاء في السنة فقد تقدمت بعض الأدلة على جواز التقية منها حادثة عمار بن ياسر ، وفعل الأسيرين عند مسيلمة الكذاب ، وكيف مدح النبي e المسلم الذي ثبت فقُتل : (( مضى على صدقه ويقينه وأخذ بفضيلته فهنيئاً له )) ، وهذا يدل على التفضيل ، والأمر نفسه ذهب إليه السرخسي في احتجاجه بقصة ثبات خبيب بن عدي على دينه وإيمانه فقال : (( فبهذا يتبين أن الامتناع أفضل )) (22) .

ويبدو أن مذهب البخاري ( رحمه الله ) كان في إيثار الثبات على الأخذ بالتقية ، فقد بوب لهذه المسألة بابا بعنوان ( باب من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر ) أورد فيه حديث خباب ابن الأرت أنه قال (( شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة في ظل الكعبة , فقلنا : ألا تستنصر لنا ؟ ألا تدعو لنا ؟ فقال : قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل , فيحفر له في الأرض فيجعل فيه , فيجاء بالمنشار فيوضع على مفرق رأسه فيجعل نصفين , ويمشط بأمشاط الحديد من دون لحمه وعظمه , فما يصده ذلك عن دينه ثم قال صلى الله عليه وسلم والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت , لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه , ولكنكم تستعجلون )) (23) ، ويتضح في هذا فقه الإمام البخاري وعمق فهمه لأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ، لأن في الثبات إعزازاً لأمر الله تعالى واستظهاراً لدينه وإعلاءً لكلمته وإظهاراً لثبات المسلمين وبسالتهم وتثبيت لعامة المسلمين على الحق ، قال الحافظ ابن حجر في بيان غرض البخاري من هذا الباب : (( فالقتل والضرب والهوان أسهل عند المؤمن من دخول النار ، فيكون أسهل إن أختار الأخذ بالشدة )) (24) .

ومن الأدلة على ذلك أيضاً ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( دخل الجنة رجل في ذباب ودخل النار رجل في ذباب قالوا : وكيف ذلك يا رسول الله ؟ قال : مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجاوزه أحد حتى يقرب له شيئا ، فقالوا : لأحدهما قرب ، قال :ما عندي شيء ، قالوا : قرب ولو ذبابا ، فقرب ذبابا ، فخلوا سبيله فدخل النار ، وقالوا للآخر : قرب ، قال :ما كنت لأقرب لأحد شيئا دون الله عز وجل ، فضربوا عنقه فدخل الجنة )) (25) ، قال الشيخ سليمان بن عبد الله : (( في هذا بيان عظمة الشرك ولو في شيء قليل وأنه يوجب النار ألا ترى إلى هذا لما قرب لهذا الصنم أرذل الحيوان وأخسه وهو الذباب كان جزاؤه النار ...)) ، ثم قال : (( إنه دخل النار بسبب لم يقصده بل فعله تخلصا من شرهم )) (26) .

مما تقدم بيان جلي للأدلة الواردة في الكتاب والسنة في تحديد حكم العمل بالتقية ، ومع ذلك فقد وضع العلماء أحكاماً كثيرة للعمل بها نذكر منها(27) :

1. أن التقية إنما تكون إذا كان الرجل في قوم كفار , ويخاف منهم على نفسه وماله فيداريهم باللسان , وذلك بأن لا يظهر العداوة باللسان , بل يجوز أيضا أن يظهر الكلام الموهم للمحبة والموالاة , ولكن بشرط أن يضمر خلافه , وأن يعرض في كل ما يقول , فإن التقية تأثيرها في الظاهر لا في أحوال القلوب ، روى البخاري عن أبي الدرداء قال : (( إنا لنكشر في وجوه أقوم وإن قلوبنا تلعنهم )) (28) .

2. أنه لو أفصح بالإيمان والحق حيث يجوز له التقية كان ذلك أفضل , ودليله ما ذكرناه في قصة خبيب بن عدي وأصحاب الأخدود وسحرة فرعون .

3. أنها تجوز فيما يتعلق بإظهار الموالاة والمعاداة , وقد تجوز أيضا فيما يتعلق بإظهار الدين فأما ما يرجع ضرره إلى الغير كالقتل والزنى وغصب الأموال والشهادة بالزور وقذف المحصنات واطلاع الكفار على عورات المسلمين , فذلك غير جائز البتة .

4. أن ظاهر الآية يدل على أن التقية إنما تحل مع الكفار الغالبين إلا أن مذهب الشافعي ( رحمه الله )أن الحالة بين المسلمين إذا شاكلت الحالة بين المسلمين والمشركين حلت التقية محاماة على النفس(29) .

المفصل في أحكام الهجرة · الصفحة ١٣٤٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الهجرةص ١٣٤٦