تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والشاهد على ذلك قصة عبيد الله بن أبي سرح فإنه كان يكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أخذه المشركون , وأكرهوه على ما أكرهوا عليه عمار بن ياسر رضي الله عنه أجابهم إلى ذلك معتقدا , فأكرموه , وكان معهم إلى أن فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة , وقد كان من بين الذين أهدر رسول الله صلى الله عليه وسلم دمهم يوم الفتح ، فجاء به عثمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله أن يبايعه , قال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه : (( إن عبد الله بن سعد بن أبي السرح اختبأ عند عثمان بن عفان ، فلما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلى البيعة جاء به حتى أوقفه على النبي صلى الله عليه وسلم قال : يا رسول الله بايع عبد الله قال : فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثا كل ذلك يأبى فبايعه بعد ثلاث ثم أقبل على أصحابه ، فقال : أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله ؟! فقالوا : وما يدرينا يا رسول الله ما في نفسك هلا أومأت إلينا بعينك ؟ قال : إنه لا ينبغي لنبي أن يكون له خائنة أعين )) (14) ، ويروى عن أبي عبيدة في سبب نزول قوله تعالى : ] مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [ [ النحل : 106 ] قال : ( من كفر بعد إيمانه ) عمار بن ياسر رضي الله عنه ، وقوله تعالى : ( ولكن من شرح بالكفر صدراً ) عبد الله بن أبي سرح(15) ، ومن المستبعد برأينا أن تصح هذه الرواية ؛ لأن الآية مكية وقصة ابن أبي سرح مدنية .

والدليل الآخر على أفضلية العزيمة على الرخصة في حالة التقية ما روي عن الحسن : (( أن مسيلمة الكذاب أخذ رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال لأحدهما : أتشهد أن محمداً رسول الله ؟ قال : نعم قال : أتشهد أني رسول الله ؟ قال : نعم فخلاه , ثم دعا بالآخر وقال : أتشهد أن محمدا رسول الله ؟ قال : نعم قال : أتشهد أنى رسول الله ؟ قال : إني أصم , قالها ثلاثا ; فضرب عنقه , فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أما هذا المقتول فمضى على صدقه ويقينه , وأخذ بفضيلة فهنيئا له , وأما الآخر فقبل رخصة الله فلا تبعة عليه )) (16) ، ففي هذه القصة – إن صحت - مدح النبي صلى الله عليه وسلم الرجل الأول ، وشهد له بالصدق واليقين ، وهذه فضيلة له في حين لم يعب على الآخر أخذه بالتقية ، ومن المناسب الإشارة هنا إلى أن هذه الحوادث التي وردت لبعض الصحابة وقعت بين يدي أهل الكفر والشرك ، وليس بين المسلمين ، أو عند غلبة الدين ، فحينئذ لا بد من إظهار كلمة الحق ، والصدع بها كما ثبت من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم : (( سئل أي الجهاد أفضل ؟ قال : كلمة حق عند سلطان جائر )) (17) ، وقصة الإمام أحمد بن حنبل مشهورة في إيثاره العزيمة على أن يأخذ برخصة التقية ، رغم سطوة السلطان.

حكم التقية :

تقدمت الأدلة في جواز العمل بالتقية عند الضرورة ، وأنها رخصة أقرها الإسلام على من وقع في فتنة في دينه أو ماله أو نفسه ، وقد اختلف العلماء في شروط جوازها والعمل بها ، لأن مقاصد الشريعة جاءت من أجل حماية النفس وصيانتها ، وقد لا تحصل هذه الحماية إلا باللجوء إلى التقية ، قال تعالى : ] وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا [ [ النساء : 29 ] ولكن الحق الذي ذهب إليه جمهور العلماء هو أن يثبت المسلم على ما هو عليه من الحق بظاهره ، كما هو عليه بباطنه(18) .

وكما هو معلوم فإن الثبات أفضل وأعظم أجراً من الأخذ برخصة التقية ، فقد وردت في القرآن الكريم قصة ( أصحاب الأخدود ) حيث أمر الملك الكافر لمن آمن منهم أن يفتن بنار عظيمة سجرت في أخدود وقال : (( من لم يرجع عن دينه فاحملوه فيها ، ففعلوا ، حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها فقاعست أن تقع فيها ، فقال لها الغلام : يا أمة اصبري فإنك على الحق )) (19) ، قال القرطبي في معرض تعليقه على هذه الرواية : (( إن الصبر على البلاء لمن قويت نفسه وصلب دينه أولى ... ولقد أمتحن كثير من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالقتل والصلب والتعذيب الشديد فصبروا ، ولم يلتفتوا إلى شيء من ذلك )) ثم أسشهد بحديث أبي سعيد وقصة خبيب بن عدي رضي الله عنه(20) ، ولا يخفى على مسلم ثناء الله تعالى على هذه الأمة التي ألقيت في النار لإيمانها ولم يردها ذلك العذاب عن هذا الإيمان .

المفصل في أحكام الهجرة · الصفحة ١٣٤٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الهجرةص ١٣٤٥