تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والفرق بين ما تقدم من تعاريف العلماء للتقية أن الاختلاف قد وقع فيها فيما يخص الفعل والقول ، إذ ذهب السرخسي إلى أن التقية تشمل القول والفعل ، في حين اقتصر ابن القيم وابن حجر في تعريفها على القول دون الفعل ، وهو ما نجد النفس أميل إليه ، لأن العلة من التقية هي المحافظة على النفس أو المال من شر الأعداء ، وإذا كان هذا الأمر يحصل غالباً بالقول دون الفعل فهو أليق بحال المسلم ، ويدل آية التقية المتقدمة ، إذ أشارت إلى أن حصول ذلك يمكن أن يكون بالقول غالباً بدليل الآية التي بعدها : ] قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ [ [ آل عمران : 29 ] ، قال ابن كثير ( رحمه الله ) في تفسير هذه الآية الأولى : (( فمن خاف في بعض البلدان والأوقات من شرهم [ الكافرين ] فله أن يتقيهم بظاهره لا بباطنه ونيته )) (7) .

العمل بالتقية :

لا شك في مشروعية العمل بالتقية عند أهل السنة والجماعة في حالة الضرورة ، إذ الأصل في التقية هو الحضر ولابد من سبب قوي يبيح للمسلم اللجوء إليها ، قال الجصاص : (( وإعطاء التقية إنما هو رخصة من الله تعالى وليس بواجب ، بل ترك التقية أفضل ، قال أصحابنا فيمن أكره على الكفر فلم يفعل حتى قتل : إنه أفضل ممن اظهر )) (8) يعني التقية ، والأدلة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم تدل على هذا ، حيث امتنع خبيب بن عدي رضي الله عنه عن التقية ، بعد أن أخذه المشركون وحبسوه وخيّروه بين سب النبي صلى الله عليه وسلم ومدح آلهتهم وبين القتل ، فاختار الشهادة ، وأخذ بالعزيمة دون الرخصة ، فروي أن النبي صلى الله علية وسلم قال في حقه : (( هو أفضل الشهداء )) ، وفي رواية : (( هو رفيقي في الجنة )) (9) .

واعترض على هذه القصة بقصة عمار بن ياسر رضي الله عنه الذي : (( أخذه المشركون, فلم يتركوه حتى سب رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر آلهتهم بخير , ثم تركوه , فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عليه الصلاة والسلام ما وراءك ؟ قال : شر ، تركوني حتى نلت منك , وذكرت آلهتهم بخير ، فقال عليه الصلاة والسلام : فكيف تجد قلبك ؟ قال : أجده مطمئنا بالإيمان قال : عليه الصلاة والسلام إن عادوا , فعد )) (10) ، وفيه نزل قوله تعالى : ] إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِْيمَانِ [ ، وقد أخذ بعض العلماء هذا القول على ظاهره وإطلاقه ، ولا يمكن حمله على ذلك لوجوه عديدة ، الأول أن هذا كان في بداية أمر الإسلام حين كان المسلمون قلة مستضعفون في الأرض يخافون أن يتخطفهم الناس كما وصفهم تبارك وتعالى ، وإليه أشار كل من معاذ بن جبل ومجاهد عندما قالوا : (( كانت التقية في جدة الإسلام قبل قوة المسلمين فأما اليوم فقد أعز الله الإسلام أن يتقوا من عدوهم )) (11) ، والأمر الثاني كما قرر ذلك السرخسي فقال : (( وبعض العلماء رحمهم الله يحملون قوله عليه الصلاة والسلام : (( فإن عادوا فعد )) على ظاهره يعني إن عادوا إلى الإكراه , فعد إلى ما كان منك من النيل مني , وذكر آلهتهم بخير , وهو غلط , فإنه لا يظن برسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يأمر أحدا بالتكلم بكلمة الشرك , ولكن مراده عليه الصلاة والسلام , فإن عادوا إلى الإكراه , فعد إلى طمأنينة القلب بالإيمان ؛ وهذا لأن التكلم وإن كان يرخص له فيه , فالامتناع منه أفضل )) (12) ، وهذا التقرير منه رحمه الله حسن ، فهو يدل دلالة قطعية على أن الأصل كان إطمئنان القلب ، وليس التكلم ، إذ الامتناع حينها أفضل ، والركون إلى سلامة العقيدة والصبر على الإيذاء من شيم المؤمنين ، ومن هنا حدد ابن عباس رضي الله عنهما التقية في مثل هذه المواطن : (( هو أن يتكلم بلسانه وقلبه مطمئن بالإيمان ولا يقتل ولا يأتي مأثما )) (13) ، والسبب في التأكيد على سلامة القلب ضروري هنا لئلا يقع المسلم في مخاطر الكفر والشرك .

المفصل في أحكام الهجرة · الصفحة ١٣٤٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الهجرةص ١٣٤٤