تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن ذوي العقول والبصائر هم الذي ينظرون في الأحداث على ضوء سنن الله في الحياة فيخرجون من تلك الأحداث بالعبر والدلالات التي ينطلقون منها لاستدراك فائت والاستعداد لقادم من خلال تعميق صواب وتقويم اعوجاج وتصحيح خطأ وإزالة باطل وإقرار حق ، قال تعالى : ﴿ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ ﴾ (آل عمران:137) ، وقال تعالى : ﴿ سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً ﴾ (الفتح:23) .

ومن العبر والدلالات والعظات التي ينبغي أن يقف عندها كل عاقل في هذا الحدث الأمور الآتية :

1 – أن الله سبحانه وتعالى قد جعل عاقبة الظلم والظالمين إلى البوار والهلاك والفساد ، وصدام حسين ونظام البعث قد مارسوا من الظلم وعاثوا في الأرض من الفساد ما تتقاصر دونه أخبار أعتى الظالمين وكبار المجرمين في التاريخ ولم يسلم من أذاهم حتى الشعوب المجاورة لهم وقد أمهلهم الله طويلاً حتى استكبروا وقالوا من أشد منا قوة ، ثم أخذهم أخذ عزيز مقتدر على أيدي طغاة آخرين سيأتيهم القدر الرباني بعد ذلك .

قال تعالى : ﴿ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ ﴾ (يونس:13) .

وقال تعالى : ﴿ وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِداً ﴾ (الكهف:59) .

وقال تعالى : ﴿ فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا ﴾ (النمل:52) .

وقال تعالى : ﴿ وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ ﴾ (القصص:59) .

2 – أن استعباد الشعوب وإذلالها ونهب خيراتها وحكمها بغير دينها الذي ارتضاه الله لها يؤدي إلى بغض تلك الشعوب لظالميها وتخليها عنهم وإسلامهم لعدوهم أشد ما يكونون حاجة إلى من ينصرهم .

قال تعالى : ﴿ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُم مِّن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ ﴾ (الشورى:8) .

3 – أن استسلام الشعوب للظلم والطغيان وعدم قولها للظالم يا ظالم ، وعدم أخذها على يد السفيه يؤدي حتماً إلى أن يعمها الله بعقاب من عنده فتفتقر بعد الغنى وتتفكك بعد الوحدة وتضعف بعد القوة ويسلط الله عليها من يسومها خسفاً من سفهائها أو أعدائها ، قال تعالى : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللّهِ كُفْراً وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ﴾ (إبراهيم:28) .

4 - ضعف الأنظمة المستأسدة على شعوبها أمام العدو الخارجي وهشاشتها في مواجهته ، فها هي تنكشف في مواجهة أمريكا كما انكشف بعضها من قبل في مواجهة إسرائيل وكما قال الشاعر :

أسد علي وفي الحروب نعامة فتخاء تطير من صفير الصافر

5 – خطورة عدم تعرف الأنظمة والحكومات على حقيقة مواقف الشعوب ووجوب أن تتحسس حاجاتها وإلا تنخدع بما يزينه تجار الكلام ومنافقوا المنابر وبطانة السوء المتاجرون بمصالح الشعوب وأقواتها فها هم يعلنون لصدام حسين أن الشعب انتخبه بنسبة 100% وعند الاختبار الحقيقي لهذه الادعاءات تكشفت الحقائق المرة حين عبر الشعب العراقي عن فرحه الغامر ونشوته الجارفة بزوال الظلم عنه .

6 – تخلي عازفي المواكب وطبالي المناسبات وتجار المباديء عن أولياء نعمتهم حين زوال دولهم وبيعهم لسيدهم حين يتأكد من قدرة جزاره على اصطياده وإلا فأين ذهبت فرق الجيش المسلح وفيالق الحرس الجمهوري ومناضلوا الحزب وفدائيو صدام الذين يزيد عددهم عن نصف مليون ، فهاهم تخلوا عنه جميعاً قبل أن يصل عدد قتلاهم ألف قتيل ، وقبل أن يقتلوا من عدوهم مائة قتيل ، وهاهم شعراء مربد صدام ومن دبجوا في مدحه المقالات وألقوا بحضرته المعلقات وألفوا في عبقريته الموسوعات من مناضلي الصحف ومقاتلي الفنادق والبارات هاهم أول من يتذوق مرق نظام البعث وصدام حين قامت بطهيه العبقرية الأمريكية فشمتوا به ورموه بكل نقيصة يعلمونها عنه بل ورموه بما ليس فيه ، نعم هاهم يتظاهرون بصحوة الضمير وعودة الوعي على إيقاع وعزف رصاص الحرية الأمريكية وإن المغرور والله من اغتر بمثل هؤلاء .

7 – انكشاف ملامح المشروع العلماني بشكل واضح وبروز خطره في الترويج للأمركة تحت رداء الإصلاح والوطنية والتحرر والمطالب الشعبية نعم إنهم الطابور الخامس في داخل أمتنا من الأفاعي المتسللة خفية في ظلام الاستبداد إلى مواقع التأثير والتوجيه وحين تقع كارثة الغزو الأمريكي إذا بهم يتحولون إلى أبواق دعاية لأمريكا يحسنون وجهها القبيح ويبشرون بالعصر الذهبي للإنسان في ظل زمنها .

إنهم يمثلون الصفحات السوداء في تاريخ أمتنا المعاصر وسيسجل عليهم التاريخ أنهم جاءوا أدلاء وخدماً للأمريكي المستعمر .

وإن من الاستخفاف بعقولنا زعمهم أن أمريكا بذلت كل هذه الجهود لتحرير شعب العراق ، إن كل من يروج للعصر الأمريكي هو إما من الممسوخين فكرياً أو من العملاء سياسياً واستخباراتياً والأمة في كل تاريخها لم تخدع بهؤلاء ولن تخدع بهم بإذن الله .

المفصل في أحكام الهجرة · الصفحة ١٢٩٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الهجرةص ١٢٩٤