ولئن كانت هذه جريمة الأنظمة العلمانية فإن الأحزاب العلمانية التي لم تصل لسدة الحكم عبر الانقلابات العسكرية لم تقل عن الحكومات جرماً في تفتيت الجبهة الداخلية وشن الحرب القذرة على كل جميل في حضارتنا وتاريخنا والمحاولة الدؤوبة لجر أمتنا إلى واشنطن أو لندن وباريس بدلاً من مكة والمدينة ، وما ميشل عفلق مؤسس حزب البعث والذي ما زال يسبح بحمده كثير من مثقفينا إلا نموذجاً من حصاد الهشيم وركام الزيف الذي عانت منه أمتنا كثيراً والذي تتجرع الآن ثماره المرة من الزقوم والحنظل ، وهذه الأنظمة لم تتفق على شيء إلا على حرب شعوبها واضطهادها حيث أنه لم يفعّل بينها أي اتفاقيات إلا الاتفاقيات الأمنية ولم يلتئم شمل أي جهاز حكومي عربي على الحقيقة إلا وزارات الداخلية .
وإذا أردنا أن نفهم أسباب عجز النظام العربي القائم وعدم فاعليته ، فعلينا أن نتذكر أنه تصميم وتنفيذ فرنسي بريطاني ثم رعاية وتعهد أمريك سوفيتي وأن له وظيفة وقدرة وحدوداً لا يستيطع تجاوزها بناء على أصل تكوينه وحدود إمكاناته .
4 – تنحية شريعة الله عن الحكم ودينه عن التوجيه مما جعل الشعوب تعيش غربة قاتلة وفصاماً نكداً بين هويتها وقيمها وتاريخها وذاكرتها الحضارية وبين دساتيرها وقوانينها وإعلامها ورموزها السياسية والفكرية المفروضة عليها بالحديد والنار .
فتفككت المجتمعات بل وتناحرت فئات الأمة ونحي الشرفاء أو غيبو معنوياً أو مادياً وقاد الأمة في المواجهة من لا ترضى به ولا تطمئن له ولا يشعر هو نحوها بصلة ولا انتماء وبالتالي فقدت الصلة الروحية والوحدة المعنوية بين الشعب العراقي وحكومته ووقف يتفرج على الحرب وكأنها لا تعنيه ولم يقاتل إلا شراذم من ميليشيا صدام وأفراد من حزب البعث ليس لها رسالة ولا هدف ولا غاية تستحق القتال من أجلها (( ونحن قوم أعزنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله )) .
5 – الاستبداد السياسي والقمع الأمني والفساد الإداري والمالي الذي تعيشه الأمة العربية فأغلب الأمة مهمش وفئة قليلة يستأثرون بأمرها ويسومونها خسفاً ويتعاملون مع كل من يشتبه في تذمره أو عدم ولائه بأشد أنواع الاضطهاد والتعذيب والفساد الإداري يضرب أطنابه في أغلب جوانب الحياة أما النهب للأموال والثروات وإفقار النسبة العظمى من الأمة في مقابل الثراء الفاحش لفئة قليلة متسلطة أو منافقة قريبة منها فحدث ولا حرج كل ذلك جعل هذه الشعوب تبحث عن منقذ حتى لو كان الشيطان مع الأسف ومع طول السنين وتفاقم الاضطهاد والظلم والفقر والجهل يغيب الوعي وتختل الموازين وتصبح الشعوب تبحث عمن ينقذها من جزارها ولو كان جزاراً أشد وأنكى ولسان حالها يقول لم يعد هناك ما نخسره ولن يكون هناك أسوأ من هؤلاء .
ومع هذه الفجوة الهائلة بين النظام العراقي وشعبه فلم يستح طبالوا هذا النظام قبل الحرب بفترة وجيزة من أن ينظموا مسرحية هزيلة أسموها انتخابات رئاسية وزعموا أن الشعب انتخب صدام حسين بنسبة 100% وصدق المصطفى صلى الله عليه وسلم : (( إذا لم تستح فاصنع ما شئت )) .
6 – السياسات الخاطئة الهوجاء التي انتهجها النظام العراقي البائد والتي أفقدته أي دعم أو تعاطف من أغلب شعبه ومن دول الجوار وكذلك تعاطيه المتغطرس مع أعدائه الذين كانوا ينفخون فيه الشعور الوهمي بالقوة والبطولة ويجرونه إلى كوارث إثر كوارث حتى آل به الأمر إلى هذا الفرار المخزي والهزيمة المذلة فلم يكن صدام حسين وزمرته لا بالأتقياء البررة ولا بالأقوياء الفجرة ، ومسكينة أمة يقودها هؤلاء الذي حين فاتهم أن يعيشوا أعزة لم يكن فيهم من الرجولة ما يجعلهم يموتوا كراماً ، لقد استولى الجيش الأمريكي على مئات الدبابات وآلاف المدافع والصواريخ وعشرات الطائرات لم تستعمل أبداً ، أفما كان يمكن أن يفعل بها شيء وبالذات أن الشمال العراقي كان صامداً والجنوب ما زال متماسكاً لكنه القانون الرباني ﴿ إِنَّ اللّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ ﴾ (يونس:81) .
7 – التواطؤ المشين والاستخذاء المخزي لدول الجوار العراقي والذي مكن الصليبيين من غزو بلاد الرافدين عبر تلك البلدان إما براً وإما جواً وإما بحراً ولولا ذلك التواطؤ لما أمكن الجيوش الصليبية أن تغزو العراق بهذه الصورة ، نعم صدام حسين لم يدع له صديقاً حتى من أقرب الناس إليه رفقاء دربه وأزواج بناته ، لكن صدام حسين عرض زائل وبلاد العراق وطن إسلامي عربي لا يجوز لأحد من العرب والمسلمين إعانة أمريكا عليه ولو ببعض كلمة لكنه الخذلان ولئن كان من سنن الله أن من أعان ظالماً على ظلمه سلطه الله عليه فإن الدول العربية بتوجيه أمريكي أعانت صدام على ظلم إيران فانتقم الله منهم على يد صدام في حرب الخليج الثانية وها هم يعينون أمريكا على ظلم العراق ، وإني لأخشى أن ينتقم الله منهم على يد أمريكا انتقاماً مريعاً قال تعالى : ﴿ وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ (الأنعام:129) .
ثانياً : العبر والدلالات التي نخرج بها من هذا الحدث :