وها هو جورج بوش الرئيس الأمريكي (( هولاكو المعاصر )) .
وها هي بغداد الجريحة المستباحة هي هي .
وها هم تتر العصر (( الجيش الأمريكي )) يستباح تحت ظلال حرابهم كل شيء في بغداد .
فهل يمكن في ظل هذا التداعي لمخزون الذاكرة ألا يربط بين الحدثين وهما شبه متطابقان تماماً .
إن هذا الحدث الجلل الذي أصيبت به الأمة سيكون له أبلغ الأثر في مستقبلها والحديث عنه متعدد الجوانب متشعب النواحي عميق الدلالات ، وسأقف مع هذا الحدث من خلال الجوانب الآتية :
أولاً : ما الذي أوصلنا إلى هذه الكارثة ؟
ثانياً : ما هي العبر والدلالات التي نخرج بها من هذا الحدث ؟
ثالثاً : ما هي الآثار المتوقعة والمترتبة على هذا الحدث سواء كانت إيجابية أو سلبية ؟
رابعاً : ما العمل حيال هذا الحدث أو ما الموقف ؟
إننا في أشد الحاجة إلى مصارحة أنفسنا لمعرفة أسباب هذه الكارثة والبحث عن مخرج منها قبل أن تتكرر بصورة أسوأ في بلد آخر والمفترض أن الأمة كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى .
أولاً : ما الذي أوصلنا لهذه الكارثة ؟
لقد جعل الله لكل شيء سبباً وإن الأحداث الجارية في واقعنا هي نتيجة لأمور سابقة لها على مقتضى سنن الله في الحياة وإن حدث الغزو والاحتلال الأمريكي الصليبي للعراق والتهديد لدول المنطقة كان نهاية ونتيجة للكثير من الأسباب التي أدت إليه ، وأقصد بالحدث جميع جوانبه من احتلال للعراق وانهيار لنظامه وخذلان الدول العربية له ومشاركة بعضها بصورة أو أخرى في عملية الغزو وسلبية الشعب العراقي حيال الحدث ومجيء بعض أبنائه تحت رايات أمريكا وما صاحب ذلك من تفاعلات شعبية وإعلامية على مستوى المنطقة .
ويجب أن نفرق بين الأسباب التي جعلت أمريكا تقوم بهذه الحرب الصليبية وبين الأسباب التي أدت إلى هذه النتيجة .
فالأولى : أسباب هي دوافع لأمريكا وقد سبق الحديث عنها في دراسة سابقة .
والثانية : هي أسباب أدت لحسم نتيجة المعركة بهذه الصورة ، وليس بأي صورة أخرى ، وهي ما سأتحدث عنه وعلى هذا فسيكون حديثي عن الأسباب التي من وجهة نظري أفرزت وشكلت الصورة النهائية للحرب ، وأهم هذه الأسباب هي :
1 - الهجمة الصليبية الاستعمارية في بداية هذا القرن التي مزقت جسم الأمة وأقامت بينها الحدود المصطنعة بإتفاقية سايكس بيكو الشهيرة ، وتحولت الأمة الواحدة إلى دويلات هزيلة متناحرة يدبر بعضها المؤامرات ضد البعض الآخر وتنفق من الأموال وتكدس من السلاح في الصراع بينها أضعاف ما تنفقه أو تستعد به لعدوها الخارجي ، وإن شئت أن تأخذ النظام البعثي نموذجاً فأمامك قائمة طويلة من الحروب مع شعبه وجيرانه ، وهكذا أصبح في أغلب الأقطار أنظمة وأحزاباً علمانية ما بين ليبرالية أو يسارية فاضطهدت الأمة وقتلت كرامتها وارتهنت لعدوها وحاربت دينها وتاريخها وقيمها حتى أصبحت الأمة أمماً يأكل بعضها بعضاً وذلت أمام عدوها وتوالت هزائمها في جميع الميادين فجاءت هزيمة نظام البعث في العراق في السياق ذاته ومحصلة نهائية للعوامل ذاتها التي تتكرر عبر هذا القرن في بلدان شتى وبصور مختلفة .
2 - الغزو الإستيطاني اليهودي الذي غرسه الغزو الصليبي الإستعماري في فلسطين في قلب الأمة وأحاطه بأنظمة هشة ضعيفة تحميه أكثر مما تشكل عليه خطراً وقد قام هذا الغزو الصهيوني بتمزيق المنطقة من خلال عملائه ومؤامراته واستنزف إمكاناتها من خلال الحروب والانقلابات والصراعات التي كان يدبرها إما مباشرة من خلال عملائه أو يدبرها بالوكالة عنه الأمريكان ومن قبلهم البريطانيون والغرب عموماً ، وما نظام البعث في العراق ومغامراته وكوارثه على الأمة إلا إحدى تلك الصور القاتمة التي لطخت وجه أمتنا وكانت آخر إنجازات ذلك النظام تلك الهزيمة النكراء أمام الزحف البربري الأمريكي ، والحقائق التي ستكشف يوماً ما ستبين مدى صلة أصحاب البطولات الزائفة من بعثيي العراق وغيرهم بالصهيونية وإسرائيل كما تبين حال أشياعهم الأولين ولكن بعد رحيلهم .
3 - الأنظمة العلمانية المفروضة على الأمة والجاثمة على صدرها من بدايات القرن والتي استنزفت خيرات الأمة وطاقاتها في بناء السجون والمعتقلات وشن الحروب على الجيران وبناء القصور وتكديس الأموال في المصارف العالمية وإنفاقها على الشهوات والموبقات وبناء الأجهزة الأمنية الكثيرة .
هذه الأنظمة التي مزقت الجبهة الداخلية للشعوب بشنها حرب لا هوادة فيها على دين الأمة وتاريخها وهويتها ومحاولة زرع هوية مستوردة وغرسها في المجتمع بالحديد والنار مما أفقد الأمة أي شعور بالانتماء لأوطانها والحكومات التي تحكمها وجعلها تقول لا فرق بين بوش أو شارون أو صدام حسين أو ... الخ .