تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذا هو ما اختاره الآمدى، وروى عن أبى على الجبائى (215) .

ويتبين مما سبق أن ثمرة الخلاف تظهر فى جواز رجوع أحد المجمعين عن رأيه أو عدم جواز ذلك له، وفى جواز اجتهاد من بعد المجمعين فى الحادثة مع وجود أحد من أهل ذلك الإجماع على قيد الحياة أو عدم جواز ذلك (216) .

بلوغ المجمعين حد التواتر

التواتر هو تتابع الخبر عن جماعة بحيث يفيد العلم، والكلام فى تحقيق معناه وما به يكون، موضعه مصطلح تواتر.

ونكتفى هنا بما يتصل باشتراطه أو عدم اشتراطه فى الإجماع.

فمن استدل على كون الإجماع حجة بدلالة العقل- وهى ما سبق ذكره من أن الجمع الكثير إذا اتفقوا علي شىء اتفاقا جازما فلا يتصور تواطؤهم على الخطأ- فلابد من اشتراط ذلك عنده لتصور الخطأ على من دون حد التواتر، وذلك هو رأى إمام الحرمين وبعض العلماء.

وأما من احتج على كون الإجماع حجة بالأدلة السمعية التى هى الآيات والأحاديث السابق ذكرها فقد اختلفوا: فمنهم من شرطه، ومنهم من لم يشترطه.

وجمهور أهل المذاهب على عدم اشتراطه، أنه متى اتفق المجتهدون فى عصر ما على حكم فذلك إجماع مهما كان عدد المجمعين، بلغوا حد التواتر أم لا، لأن لفظ "الأمة" و "المؤمنين " صادق عليهم موجب لعصمتهم ولاتباعهم (217) .

مستند الإجماع

جمهور أهل المذاهب على أن الإجماع لابد له من مستند لأن أهل الإجماع ليس لهم الاستقلال بإثبات الأحكام فوجب أن يكون عن مستند، ولأنه لو انعقد عن غير مستند لاقتضى إثبات نوع، أى إحداث دليل، بعد النبى صلى الله عليه وآله وسلم وهو باطل (218) .

وفى بيان ذلك يقول صاحب " طلعة الشمس " الإباضى: من شروط الإجماع أن يكون للمجمعين مستند يستندون إليه من كتاب أو سنة أو اجتهاد سواء أكان ذلك المستند قطعيا أم ظنيا، فإن علمنا مستندهم كان ذلك زيادة لنا فى الاطمئنانية وتوسعا فى العلم، وإن جهلناه مع حصول الإجماع منهم وجب علينا أن نحسن الظن بهم، وأنهم لم يجمعوا إلا وعندهم مستند من قبل الشارع (219) .

وحكى عبد الجبار عن قوم أنه يجوز أن يكون عن غير مستند، وذلك بأن يوفقهم الله لاختيار الصواب من دون مستند، وهذا الرأى قرر العلماء ضعفه (220) . واعتبره الآمدى شذوذا.

وفى طلعة الشمس: أنه قول لبعض أهل الأهواء (221) .

والقائلون بأنه لا ينعقد الإجماع إلا عن مستند قد اتفقوا على صحة الإجماع وثبوت حجيته إذا كان المستند دليلا قاطعا (222) إلا ما روى عن بعض العلماء من أنه إذا كان الدليل متواترا مفيدا للمعنى المجمع عليه فإن الحكم يكون ثابتا به، ولا يحتاج إلى إثباته بالإجماع (223) .

أما المستند الظنى فقد اختلف العلماء فى صحة جعله مستندا للإجماع.

قال الحنفية: قد يكون سبب الإجماع من أخبار الأحاد كإجماعهم على عدم جواز بيع الطعام قبل القبض استنادا إلى قوله صلى الله عليه وسلم: " لا تبيعوا الطعام قبل القبض ".

وقد يكون سبب الإجماع قياسا، كإجماعهم على حرمة الربا فى الأرز استنادا إلى القياس على الأشياء الستة التى هى البر والشعير.. إلخ.

ثم أجمعوا على هذا القياس، فصار القياس بمعاضدة الإجماع قطعيا (224) ، وإلى هذا ذهب أيضا: الشافعية (225) ، والمالكية (226) ، والحنابلة (227) ، والزيدية (228) ، والإباضية (229) ، وذهب الظاهرية إلى أنه لا يصح اعتبار القياس مستندا للإجماع وذلك بناء على أصلهم فى إنكار القياس، ووافقهم محمد ابن جرير الطبرى فى جانب فقال: إن القياس حجة، ولكن الإجماع إذا صدر عنه لم يكن مقطوعا بصحته، وليس القياس فى رأيه كخبر الواحد، لأن الصحابة أجمعوا. على خبر الواحد بخلاف القياس (230) .

وفصل بعضهم بين أن يكون القياس جليا فيصلح مستندا، أو خفيا فلا يصلح، ونقل هذا عن بعض الشافعية (231) .

ثم اختلفوا: هل يجب على المجتهد ان يبحث عن مستند الإجماع أو لا يجب عليه ذلك؟

موسوعة الفقه المصرية · الصفحة ٤٦٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الفقه المصريةص ٤٦٣