وعن الحسين بن على كرم الله وجهه أنه سئل عن مسألة فقال: اسألوا الحسن البصرى، إلى غير ذلك.
أما فى حالة عدم بلوغ التابعى مرتبة الاجتهاد عند إجماع الصحابة فالأمر يختلف إذ لفظ " الأمة " ينطبق على الذين أجمعوا وحدهم، فهم أهل الحل والعقد حينئذ دون غيرهم، ولا عبرة ببلوغ التابعى مرتبة الاجتهاد بعد ذلك، فقد قام الإجماع قبله وانتهى الأمر.
وينبغى أن يعلم أن هؤلاء هم الذين يقولون بعدم اشتراط انقراض العصر، أى أن الإجماع يعتبر قائما فى لحظة انعقاده ولا ينتظر انقراض المجمعين بالموت حتى يتبين أن أحدا منهم لم يرجع وسيأتى الكلام على هذا الشرط.
ومنهم من قال: لا ينعقد إجماع الصحابة مع مخالفة التابعى سواء أكان من أهل الاجتهاد حالة إجماعهم أو صار مجتهدا بعد إجماعهم لكن فى عهدهم، وهؤلاء هم الذين يشترطون فى تمام الإجماع انقراض عصر المجمعين.
وكلا الفريقين من الذين يقولون بأنه لا ينعقد الإجماع بموافقة الأكثر مع مخالفة الأقل.
ومن الناس من يقول: لا عبرة بمخالفة التابعى أصلا إذا أجمع الصحابة، والقول بذلك مروى عن أحمد فى إحدى روايتين.
ويتفق هذا مع مذهب القائلين بأن إجماع الأكثر معتد به ولو خالف الأقل. ودليل القائلين بعدم الاعتداد بخلاف التابعى هو ما ورد من النصوص فى اتباع الأصحاب، وأن لهم مزية الصحبة.
وبين المختلفين نقاش فى الأدلة لا نطيل بذكر (204) .
شروط الإجماع
يذكر علماء الأصول فى مختلف المذاهب شروطا للإجماع كل منها وقع الخلاف فيه بينهم: هل يشترط أو لا يشترط؟ وهذه هى:
انقراض العصر
والمراد به: انقراض المجمعين فى عصر ما، فذهب فريق من العلماء إلى أن اتفاق الأمة لا يعتبر إجماعا تقوم به الحجة إلا إذا انقرض المجمعون وماتوا كلهم، لأن رجوعهم أو رجوع بعضهم قبل الموت محتمل، ومع هذا الاحتمال لا يثبت الاستقرار (205) .
وهذا القول هو قول الإمام أحمد بن حنبل وأبى بكر بن فورك (206) ، وبعض الظاهرية (207)
واحتجوا على قولهم بأن أبا بكر سوى بين الصحابة فى العطاء، وخالفه عمر فى التفضيل بعد إجماعهم على رأى أبى بكر فلو كان الإجماع الذى انعقد فى عهد أبى بكر علي التسوية حجة منذ انعقد، لما جاز لعمر مخالفته فاقتضى ذلك كون انقراض العصر شرطا أى أن لكل من المجمعين أن يرجع عن رأيه إذا رأى ذلك فهو اتفاق موقوف لا يتبين أنه صار إجماعا إلا بانقراض المجمعين كلهم ويتبع ذلك أنه لا يجوز لأحد بعد انقراض العصر أن يجتهد فيما تبين أنه إجماع، ومثلوا لذلك أيضا: باتفاق على وعمر وغيرهما من الصحابة على تحريم بيع أم الولد، ثم إن عليا خالفهم بعد ذلك ورأى جواز بيعها، وما ذلك إلا لأنه اعتبر الإجماع غير قائم، لأن العصر لم ينقرض (208) .
وذهب فريق آخر إلى أن انقراض العصر ليس شرطا بل إذا اتفقت الأمة ولو فى لحظة - أى اتفق المجتهدون فيها- انعقد الإجماع وتقررت عصمتهم عن الخطأ ووجب اتباعهم، ولا يجوز لأحد منهم ولا ممن يأتى بعدهم أن يخرج على هذا الإجماع، وذلك لأن الحجة فى اتفاقهم وقد حصل.
وليس فى الأدلة المثبتة للإجماع اشتراط ذلك، ولم يعتبروا أن الإجماع قام على رأى أبى بكر فى التسوية، بل رأوا أن عمر كان مخالفا فيه من أول الأمر، وإنما كان سكوته لكون رأى الخليفة هو المقدم، وكذلك لم يصح فى نظرهم أن الصحابة جزموا جميعا بتحريم بيع أم الولد قبل أن يخالفهم على (209) .
وعلى هذا أكثر أصحاب الشافعى وأكثر أصحاب أبى حنيفة والأشاعرة والمعتزلة (210) ، والمالكية
(211) ، والزيدية (212) ، وابن حزم الظاهرى (213) ، وهو الصحيح عند الإباضية (214) .
ومن الناس من فصل فقال: إن كانوا قد اتفقوا بأقوالهم أو أفعالهم أو بهما لا يكون انقراض العصر شرطا، وإن كان الإجماع بذهاب واحد من أهل الحل والعقد إلى حكم، وسكت الباقون عن الإنكار مع اشتهاره فيما بينهم فهو شرط.