وقد عبر صاحب مسلم الثبوت وشرحه عن هذا الدليل بقولهما:
لنا (أى يدل لنا على ما قلناه من حجية الإجماع) اتفاقهم فى كل عصر على القطع بتخطئة المخالف للإجماع من حيث هو إجماع، واتفاقهم على تقديمه على القاطع، وعدهم تفريق عصا الجماعة من المسلمين أمرا عظيما وإثما كبيرا والعادة تحيل اجتماع مثل هؤلاء من الأخيار الصالحين من الصحابة والتابعين المحققين على قطع فى حكم ما، لا سيما القطع بكون المخالفة أمرا عظيما، لاعن نص قاطع، بحيث لا يكون للارتياب فيه احتمال، فإنه قد علم بالتجربة والتكرار من أحوالهم وفتاويهم علما ضروريا أنهم ما كانوا يقطعون بشىء إلا ما كان كالشمس على نصف النهار (87) .
ويعلق الآمدى على هذا الاستدلال بالمعنى المعقول فيقول:
" ولقائل أن يقول: إن العادة لا تحيل الخطأ على الخلق الكثير بظنهم ما ليس قاطعا قاطعا ولهذا فإن اليهود والنصارى مع كثرتهم كثرة تخرج عن حد التواتر قد أجمعوا على تكذيب محمد عليه السلام وإنكار رسالته وليس ذلك إلا لخطئهم فى ظن ما ليس قاطعا قاطعا، وبالجملة، فإما أن يقال باستحالة الخطأ عليهم فيما ذهبوا إليه، أو لا يقال باستحالته، فإن كان الأول لزم ألا يكون محمد نبيا حقا بإجماعهم على تكذيبه، وإن كان الثانى- أى عدم استحالة الخطأ عليهم- فهو المطلوب " (88) .
وهذا الذى قاله الآمدى هو تلخيص لما ذكره الغزالى فإنه اعترض على هذه الطريقة قائلا: " وهذه الطريقة ضعيفة عندنا، لأن منشأ الخطأ إما تعمد الكذب وإما ظنهم ما ليس بقاطع قاطعا، والأول عير جائز على عدد التواتر، وأما الثانى فجائز، فقد قطع اليهود ببطلان نبوة عيسى ومحمد عليهما السلام، وهم أكثر من عدد التواتر، وهو قطع فى غير محل القطع، لكن ظنوا ما ليس بقاطع
قاطعا " (89) .
ثالثا: ما استدل به القائلون بعدم حجية الإجماع:
المنكرون للإجماع يسلكون فى الاستدلال على رأيهم مسلكين:
أولهما: معارضة أدلة الجمهور من الكتاب والسنة والمعانى المعقولة، بمثلها، فيأتون بآيات وأخبار ومعان معقولة تدل على بطلان حجية الإجماع.
ثانيهما: مناقشة ما استدل به الجمهور بإبطال دلالته على ما ذهبوا إليه من الحجية وبتأويل الآيات والأحاديث تأويلا آخر، ونحن نذكر أهم ما جاء به المنكرون لحجية الإجماع كما ذكرنا أهم ما جاء به المثبتون، وسنشفع كلا منها بما ورد عليه من المناقشة كما فعلنا أيضا حين ذكرنا أدلة المثبتين.
المسلك الأول: معارضة أدلة
الجمهور بمثلها
" قالوا: إن كتاب الله تعالى يدل على ما ذهبنا إليه، والله تعالى يقول " ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شىء " (90) .
وذلك يدل على عدم الحاجة إلى الإجماع (91) فلا مرجع فى تبيان الأحكام إلا إلى الكتاب والإجماع غيره (92) .
وقد رد الآمدى على ذلك بأنه ليس فى بيان كون الإجماع حجة متبعة بالأدلة التى ذكرناها ما ينافى كون الكتاب تبيانا لكل شىء (93) .
ورد عليه العضد فى شرحه على مختصر ابن الحاجب بأن هذه الآية " لا تنافى كون غيره أيضا تبيانا ولا كون الكتاب تبيانا لبعض الأشياء بواسطة الإجماع " (94) .
واستدلوا أيضا بقوله تعالى: " فإن تنازعتم فى شىء فردوه إلى الله والرسول " (95) فلا مرجع عند التنازع إلا الى الكتاب والسنة (96) .
وقد رد اللآمدى بأن هذه الآية " دليل عليهم لأنها دليل على وجوب الرد إلى الله والرسول فى كل متنازع فيه، وكون الإجماع حجة متبعة مما وقع النزاع فيه، وقد رددناه إلى الله تعالى، حيث أثبتناه بالقرآن، وهم مخالفون فى ذلك " (97) .
ورد العضد بأن الآية " مختصة بما فيه النزاع والمجمع عليه ليس كذلك " (98) .
يريد أن لفظها يختص بما فيه النزاع، والمجمع عليه لا نزاع فيه فيمكن أن يدل المفهوم على أن المتفق عليه لا يحتاج فيه إلى الرجوع.