ويكون السيد مختارا للفداء إذا عبر بذلك صراحة أو فعل ما يتضمن أنه اختار الفداء بأن يعتقه أو يبيعه، أو يقتله بعد أن يكون قد علم جنايته، وهذا ما ذكره صاحب البحر بقوله: " فإن أعتقه أو قتله أو باعه عالما فهو اختيار للفداء فيلزمه، لا المشترى إذ لم تقع فى ملكه. وكذا لو رهنه بعد الجناية إذ أوجب فيه حقا للغير كالبيع (40) ". أما إذا كان قد أبق ممن يضمنه كأن يكون غاصب قد غصبه فإن ضمان جنايته على الغاصب وإن تعلقت برقبته. فقد قال صاحب البحر الزخار: "وجناية المغصوب على غاصبه إلى قيمته أى مضمومة إلى قيمته ثم فى رقبته. ثم قال: فإن قتل غاصبه اقتص منه الورثة، وعليهم قيمته من تركة الغاصب. وكذا لو قتل العبد سيده اقتص منه ورثته، وضمن الغاصب قيمته، إذ لا مسقط لضمانه (41) ".
الظاهرية:
الآبق لا يزال رقيقا، وملكه لا يزال لسيده، فالجناية عليه جناية على عبد مملوك فإذا جنى عليه بما يستوجب الدية أو أرش الجناية فقد بينه ابن حزم الظاهرى بقوله:
" وكل ما جنى على عبد أو أمة فإن فى الخطأ فى العبد وفى الأمة خطأ أو عمدا ما نقص من قيمته بالغا ما بلغ. وأما العبد والأمة ففيما جنى عليهما عمدا القود وما نقص من قيمتهما. أما القود فللمجنى عليه، وأما ما نقص من القيمة فللسيد فيما اعتدى عليه من ماله (42) ".
ثم قال: " والعبد والأمة مال فعلى متلفهما مثل ما تعدى فيه بالغا ما بلغ (43) ".
ومقتضى هذا أنه لا يحدد للرقيق دية: بأن تكون على النصف من دية الحر، أو أنها قيمته ما لم تبلغ عشرة آلاف درهم فإن بلغت لا يعطى سيده إلا عشرة آلاف درهم ينقص منها عشرة إن كان عبدا أو خمسة آلاف درهم ينقص منها خمسة إن كان أمة، إلى غير ذلك مما لا يجعل الدبة قيمته بالغة ما بلغت ولو وصلت إلى عشرين ألف درهم أو يزيد، وقد علل ابن حزم رأيه بأن العبد والأمة مال فعلى متلفهما لسيدهما مثل ما تعدى فيه بالغا ما بلغ كما تقدم أما من حيث القصاص إن كان القاتل عبدا أو حرا فينظر فيه مصطلح (قصاص) .
وأما ما يتلفه العبد آبقا أو غيره فقد بينه ابن حزم بقوله: " وأما جناية العبد على مال غيره ففى مال العبد إن كان له مال. فإن لم يكن له مال ففى ذمته يتبع بها حتى يكون له مال فى رقه أو بعد عتقه، وليس على سيده فداؤه، لا بما قل، ولا بما كثر، ولا إسلامه فى جنايته ولا بيعه فيها وكذلك جناية المدبر والمكاتب وأم الولد والمأذون وغير المأذون سواء. الدين والجناية فى كل ذلك سواء (44) "
أما جناية العبد على النفس فإن كان القتل عمدا ففيه القصاص، وإن كان خطأ ففيه الدبة المقررة. وينظر فى ذلك مصطلح (قصاص) ومصطلح (دية) . ولكن الدية تكون على العبد آبقا أو غيره فى ماله إن كان له مال وألا تكون فى ذمته يتبع بها إلى أن يكون له مال فى رقه أو بعد عتقه. ويرى ابن حزم أن العبد يملك (45) .
الشيعة الإمامية:
يرون أن دية العبد (آبقا أو غيره) إنما هى قيمته، وإنها تكون لسيده، فقد جاء فى شرائع الإسلام: "ودية العبد قيمته ولو جاوزت دية الحر ردت إليها ... ثم قال: ودية أعضائه وجراحاته، مقيسة على دية الحر، فما فيه دية ففى العبد قيمته كاللسان لكن لو كان قد جنى عليه جان بما فيه قيمته لم يكن لمولاه المطالبة إلا مع دفعه. وكل ما فيه مقدر فى الحر من ديته فهو فى العبد كذلك من قيمته: ولو جنى عليه جان بما لا يستوعب قيمته كان لمولاه المطالبة بدية الجناية مع إمساك العبد وليس له دفع العبد والمطالبة بقيمته (46) ".
أما تفصيل الديات من حيث وجوب كلها أو نصفها أو غير ذلك- فلينظر فيه مصطلح (دية) .
وأما ما يجنيه العبد (آبقا أو غيره) فإما أن يكون جناية على النفس، وإما أن يكون جناية على المال.
فإن كان جناية على النفس ووجب فيه الماء فصاحبه مخير بين فدائه ودفعه بالجناية فقد جاء فى شرائع الإسلام " ولو جنى العبد على الحر خطأ لم يضمنه المولى، ودفعه إن شاء أو فداه بأرش الجناية، والخيار فى ذلك إليه. ولا يتخير المجنى عليه. وكذا لو كانت جنايته لا تستوعب ديته تخير مولاه فى دفع أرش الجناية أو تسليم العبد ليسترق منه بقدر تلك الجناية. ويستوى فى ذلك كله القن والمدبر: ذكرا كان أو أنثى. وفى أم الولد تردد على ما مضى- والأقرب أنها كالقن فإذا دفعها المالك فى جنايتها استرقها المجنى عليه أو ورثته، وفى رواية جنايتها على مولاها (47) ".