وقال القاضى: ليس له الحكم لأنه حكم بعلمه.
والأولى أن يحكم إذا سمعه معه شاهدان خروجا من الخلاف،فأما حكمه بعلمه فى غير ذلك مما رآه أو سمعه قبل الولاية أو بعدها فلا يجوز لقول النبى - صلى الله عليه وسلم -: (إنما أنا بشر مثلكم وأنتم تختصمون إلى،ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض فأقضى له على نحو ما أسمع متفق عليه.
فدل على إنه يقضى بما سمع لا بما علم، إلا فى الجرح والتعديل فيعمل بعلمه فى ذلك لأن التهمة لا تلحقه فيه،لأن صفات الشهود معنى ظاهر.
بل قال القاضى وجماعة: ليس هذا بحكم،لأنه يعدل هو ومجرح غيره، ويجرح هو ويعدل غيره،ولو كان حكما لم يكن لغيره نقضه. وفى الطرق الحكمية: الحكم بالاستفاضة ليس من حكمه بعلمه فيحكم بما استفاض وإن لم يشهد به أحد عنده.
مذهب الظاهرية:
وفى مذهب الظاهرية يقول ابن حزم فى " المحلى" (99) : وفرض على الحاكم أن يحكم بعلمه فى الدماء والقصاص والأموال والفروج والحدود وسواء علم ذلك قبل ولايته أو بعد ولايته، وأقوى ما حكم " أن يكون " بعلمه لأنه يقين الحق ثم بالإقرار ثم بالبينة.
مذهب الزيدية:
وفى مذهب الزيدية،جاء فى " شرح الأزهار وهامشه " (100) : وله القضاء بما علم إلا فى حد غير القذف فلا يجوز له أن يحكم فيه بعلمه لقوله تعالى: (لتحكم بين الناس بما أراك الله ((101) ومن حكم بعلمه فقد حكم بما أراه الله وعلم القاضى أبلغ من الشهادة،ولقول أبى بكر: لو رأيت رجلا على حد لم أحده حتى تقوم به البينة عندى.
فأما فى حد القذف والقصاص والأموال فيحكم فيها بعلمه سواء علم ذلك قبل قضائه أو بعده لتعلق حق الآدمى بحد القذف، وفى السرقة يقضى بعلمه لأجل المال لا لأجل الحد.
وفى " البحر الزخار" (102) : وله القضاء بما علم فى حق الآدمى وإن لم تقم بينة لعموم قوله تعالى: (فاحكم بينهم بالقسط (ولإذنه- صلى الله عليه وسلم - لهند أن تأخذ الكفاية من مال زوجها وإن كره،وذلك قضاء بالعلم،ولأن الشهادة إنما تثمر الظن فالعمل بالعلم أولى، ولا يقضى بعلمه فى حد غير القذف لخبر أبى بكر ولندب ستره، وجاز فى حد القذف لتعلق حق الآدمى به.
مذهب الإمامية:
وفى مذهب الإمامية: أجازو للإمام أن يحكم بعلمه مطلقا، واختلفوا فى غيره من الحكام، فقيل: يجوز له أن يحكم بعلمه مطلقا وهو الأشهر، وقيل يجوز ذلك فى حقوق العباد دون حقوق الله، وقيل:بالعكس.
وفى كفاية الأحكام من باب القضاء: الإمام يحكم بعلمه مطلقا، والأشهر فى غيره جواز الحكم بالعلم مطلقا، وقال ابن إدريس: يجوز حكمه فى حقوق الناس دون حقوق الله. ونقل فى " المسالك " عن ابن الجنيد عكس ذلك.
وفى "المختصر النافع" (103) : للإمام أن يقضى بعلمه مطلقا فى الحقوق، ولغيره فى حقوق الناس، وفى حقوق الله قولان.
مذهب الإباضية:
وفى مذهب الإباضية يقول صاحب " شرح النيل" (104) : ولا يحكم الحاكم بعلمه فى شىء علمه قبل أن يكون قاضيا أو بعد أن كان قاضيا إلا ما علمه فى مجلس قضائه أو التزكية.
وقيل: يحكم بما علم فى منزله الذى يقضى فيه، وقيل فى البلد الذى هو قاض عليه، ومعنى مجلس القضاء المكان الذى يجلس للقضاء فيه. وقيل: ما علمه من لسان الخصمين حال محاكمتهما عنده، والقولان فى المذهب.
إلى أن قال: والمذهب أنه يقضى بما علم فى مجلس قضائه، والصحيح أن مجلس القضاء مجلسه حين تداعى الخصمين.
القرينة القاطعة:
وهى التى توجد عند الإنسان علما بموضوع النزاع والاستدلال يكاد يكون مماثلا للعلم الحاصل من المشاهدة والعيان.
مذهب الحنفية:
قد ذكر ابن الغرس من فقهاء الحنفية فى كتابه " الفواكه البدرية ": أن طريق القاضى إلى الحكم يختلف باختلاف المحكوم به والطريق فيما يرجع إلى حقوق العباد المحضة عبارة عن الدعوى والحجة. وهى إما البينة أو الإقرار أو اليمين أو النكول عنه أو القسامة أو علم القاضى بما يريد أن يحكم به أو القرائن الواضحة. التى تصير الأمر فى حيز المقطوع به، فقد قالوا: لو ظهر إنسان من دار بيده سكين وهو متلوث بالدماء سريع الحركة عليه أثر الخوف فدخلوا الدار على الفور فوجدوا فيها إنسانا مذبوحا بذلك الوقت ولم يوجد أحد غير ذلك الخارج، فإنه يؤخذ به، وهو ظاهر إذ لا يمترى أحد فى أنه قاتله. والقول بأنه ذبحه آخر ثم تسور الحائط أو أنه ذبح نفسه، احتمال بعيد. إذ لم ينشأ عن دليل، وبذلك كانت القرينة القاطعة طريقا للقضاء مثل البينة والإقرار.