تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبعد هذه الجولة من إيراد أقوال الصحابة والتابعين، فإنه ثبت عن ابن عباس -رضي الله عنه- وأنه أخذه من الإسرائيليات، وقد ثبت عن بعض التابعين، وهو مما أخذوه عن كعب الأحبار من الإسرائيليات أيضاً، وكان الأولى بالمفسرين أن يعرضوا عن إيراد هذه الأقوال إلا لبيان نكارتها! وأما أن يتمحلوا في توجيهها كما فعل الطبري وغيره، فإن ذلك لا ينبغي منهم، غفر الله لهم.

ومثلهم فعل أكثر من اشتغل بالتفسير من المعاصرين، فإنّ اللون المنتشر في هذه الأيام هو محاولة حصر ما صحّ من التفسير بالمأثور، والذي أراه أن هذا يفسد رونق وجمال وطعم التفسير، لأن التفسير ليس محصوراً في ما نُقل إلينا عن الصحابة والتابعين ـ وقلّ ما صحّ منه، ولهذا قال الإمام أحمد قولته المشهورة في ذلك: ثلاثة كتب لا أصل لها، وقد حققت معنى هذه المقولة في موضع آخرـ، ثمّ إن مسألة التصحيح والتضعيف مسألة اجتهادية تختلف فيها الأنظار!

وقد تصدى لهذه المهمة بعض الأساتذة فعملوا مصنفات في ذلك، لا يوجد فيها معانٍ بلاغية ولا لغوية، وتجد التفسير فيها غير مترابط لأنهم يوردون في تفسير بعض الآيات من المرفوع ما لا دخل له فيها، فيذهب بجمال ورونق التفسير وترابط الآيات وغير ذلك مما هو معروف عند أهله!

ومن هذه المصنفات: كتاب ((التفسير الصحيح، موسوعة الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور)) للأستاذ الدكتور حكمت بن بشير ياسين، فإنه قد أخرج في تفسير قول الله عز وجل} فيه ظلمات ورعد وبرق ﴿ما رواه الترمذي وغيره مرفوعاً أن الرعد ملك، ثم قال: "ولهذا الحديث شاهد من القرآن في قوله تعالى﴾ ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ﴿[الرعد:13] وفيه تسبيح هذا الملك بحمد الله تعالى والملائكة معطوف على الرعد، فهو عطف عام على خاص، كما تقدم في سورة البقرة آية 98﴾ من كان عدواً لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال {" [98].

قلت: تسمية كتابه بـ "التفسير الصحيح" فيه نظر! وهذا الحديث منكر لم يصح مرفوعاً كما بينته سابقاً، فكيف يكون كتابه صحيحاً؟! وما ذكره من أن آية الرعد شاهد فليس بصحيح، فإن الرعد في الآيتين واحد، فكيف يكون معنى الآية: فيه ظلمات وملك وبرق، والآية الأخرى: ويسبح الملك بحمده والملائكة من خيفته! ولماذا يُخفي الله عز وجل علينا أن الرعد ملك، فلم لم يُسمِّه لنا صراحة؟! حتى تأتينا رواية إسرائيلية فتبيّن لنا ذلك، ونحن المسلمين مخاطبون بهذه الآيات الواضحة الصريحة، وإن الأمم على مر العصور إذا سألت الواحد منهم ما الرعد؟ فإنه سيقول لك: هو الصوت الذي نسمعه في الشتاء. وهل الملك إن كان هو الرعد لا يسبح إلا في فصل الشتاء؟

أما ما قاله الدكتور من أن في الآية عطفاً للعام على الخاص، فليس بصحيح لأن الاهتمام بالشيء يكون بعطف الخاص على العام وهذا هو الأصل في كتاب الله عز وجل، والآية التي استدل بها فيها عطف الخاص على العام لا العكس كما قرر هو، والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم.

والخلاصة أن حديث: ((الرعد ملك)) من الإسرائيليات التي كان يُحدّث بها كعب الأحبار، وأبو الجَلَد البصري من كتب الأوائل، وهو قولٌ منكرٌ!

وقد ذكر عبدالرزاق عن مَعمر قال: سألت الزهري عن الرعد؟ فقال: "الله أعلم".

وقال عبدالرزاق: حدثني أبي أن وهب بن منبه سئل عن الرعد؟ فقال: "الله أعلم" [99].

وكتب: أبو صهيب خالد الحايك.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحواشي:

[1] جامع الترمذي، كتاب التفسير، تفسير سورة الرعد، (5/ 294).

[2] سنن النسائي الكبرى، كتاب عشرة النساء، باب كيف تؤنث المرأة وكيف يذكر الرجل، (5/ 336). وانظر تحفة الأشراف: (4/ 394).

[3] المعجم الكبير: (12/ 45).

[4] المختارة: (10/ 66).

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ٢٣٧٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ٢٣٧٢