قال ابن أبي حاتم في ((العلل)) (2/ 230): "سألت أبي عن حديث رواه أبو داود الطيالسي عن شعبة عن سعيد بن قطن، قال: سمعت أبا زيد يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليس منا من لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا))؟ قال أبي: "لهذا الحديث علة! رواه غندر عن شعبة عن سعيد بن قطن قال سمعت أبا يزيد المدني، قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((قال ليس منا ... )) الحديث. قال أبي: "وهذا أشبه! " قلت: ومن أبو يزيد المدني؟ قال: "شيخ. روى عنه جرير بن حازم وسعيد بن أبي عروبة وأيوب السختياني ولا يسمى! سئل مالك عن أبي يزيد؟ فقال: لا أعرفه".
وقال الدارقطني: " تفرد به أبو داود عن شعبة عنه متصلاً! وغيره يرويه عن شعبة عن قطن بن كعب عن أبي يزيد المديني مرسلاً عن النبيّ". (أطراف الغرائب والأفراد: 5/ 60، رقم 4673).
قلت: نظر أبو حاتم والدارقطني إلى الاتصال والإرسال، ورجحا الإرسال، وهو الصواب.
وقال ابن صاعد بعد أن روى الحديث من طريق أبي داود: "وكانوا يرون أنه حديث متصل، ويعدّ في حديث أبي زيد بن أخطب الأنصاري إذ قد روى عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وهو وهمٌ. إنما رواه شعبة عن قطن بن كعب القطعي جد أبي قطن عن أبي زيد المدني أنه بلغه عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فصار مرسلاً". ثمّ روى ابن صاعد الحديث عن محمد بن عبدالله المخرمي، ثم قال: "سمعت محمد بن عبدالله المخرمي يقول: حديث أبي داود خطأ، وهذا الصواب". (الكامل لابن عدي: 3/ 279).
· تعقّب ابن عدي:
وقد دافع ابن عدي في ((الكامل)) عن رواية أبي داود وأنه لم يخطئ في اسم شيخ شيخه، فساق كلام البخاري وابن صاعد والمخرمي، ثم قال: "والبخاري وابن صاعد جميعاً نسبا أبا داود في هذا الحديث إلى الخطأ، فقالا: روى عن شعبة، عن سعيد بن قطن، عن أبي زيد الأنصاريّ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وأبو زيد عمرو بن أخطب من الأنصار وله صحبة، وقالا: إنما روى شعبة عن قطن بن كعب، عن أبي زيد المدني، عن النبيّ صلى الله عليه وسلّم مرسلاً. والذي رواه أبو داود فمحتمل، وذلك أن حماد بن سلمة روى عن سعيد بن قطن عن أبي زيد الأنصاريّ حديث مقطوع. ورواية حماد تنفي عن أبي داود خطأه حيث خطأه بروايته عن سعيد بن قطن، عن أبي زيد؛ لأن حماد بن سلمة قد روى عن سعيد بن قطن، عن أبي زيد، فصار لسعيد بن قطن أصل، ولسعيد عن أبي زيد أصل برواية حماد بن سلمة فسقط الخطأ عن أبي داود، وإن كان الحديث الذي ذكره رواه غيره عن قطن عن أبي يزيد مرسلاً. أخبرنا أبو يعلى: إبراهيم بن الحجاج، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن سعيد بن قطن، قال: سألت [أبا] زيد الأنصاري عن المذي؟ قال: "ليس فيه إلا الطهور". انتهى.
قلت: أما البخاري فذهب إلى أن أبا داود قد أخطأ في تسمية شيخ شعبة كما سبق، وأما ابن صاعد فإنه لم يتعرض لهذا، وإنما نسب أبا داود إلى أنه وصله، وهو مرسل.
وكون أبي داود لم يذكر قوله ((بلغني)) وقال: ((عن أبي زيد قال: قال رسول الله ... )) فلا يدل ذلك على الاتصال! وأنه رفعه!
ثُمَّ إن نقل أبي حاتم رواية غندر عن شعبة تقوي رواية أبي داود عن شعبة في تسمية شيخه ((سعيد بن قطن)) فيكون الخطأ من شعبة في تسمية شيخه لا من أبي داود كما هو مقتضى كلام البخاري! وشعبة –رحمه الله- كان يخطئ في أسماء شيوخه، والله أعلم.
وممن أشار إلى أن أبا داود رفعه: الحافظ ابن رجب في ((شرح علل الترمذي)) (2/ 764) قال في ترجمة الطيالسي: "ومن جملة ما أخطأ فيه أنه روى عن شعبة عن سعيد بن قطن عن أبي زيد الأنصاري مرفوعاً: من لم يرحم صغيرنا فليس منا. ويُقال إنه نظر في كتابه فلم يجده".
3 - أبو زيد الأنصاريّ الصحابي وأبو زيد أو يزيد المديني:
جاء في بعض طرق الحديث: ((أبو زيد)) وفي بعضها: ((أبو يزيد))، وهما واحد، وهو تابعي.