وتبعهما على ذلك ابن حبان، فقال في ((الثقات)) (7/ 659): "أبو عمران الفلسطيني. يروي عن مجاهد. روى عنه معاوية بن صالح". وكلهم واحد، والله أعلم.
وأما قول ابن أبي حاتم: إن أبا عمران الأنصاري روى عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسل، فأظنه فهمه من ترجمة الإمام البخاري السابقة: "سليمان بن عبدالله الأنصاري أبو عمران. قال هارون بن معروف: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثنا حيوة، قال: أخبرني أبو عيسى: سمع أبا عمران سليمان الأنصاري".
فظن أن هذه الإشارة من الإمام البخاري هي أنه يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً، وليس كذلك؛ فإن البخاري أراد أن يبين اسمه من خلال الترجمة، ولم يأت بالرواية كلّها.
وقد تبع ابن أبي حاتم على ذلك ابن حبان، فقال في ((الثقات)) (4/ 309): "سليمان ابن عبدالله الأنصاري أبو عمران: يروي المراسيل. روى عنه ثعلبة بن مسلم، والمصريون".
وقال أيضاً (4/ 329): "سليم أبو عمران الأنصاري مولى أم الدرداء. عداده في أهل الشام. يروي عن ذي الأصابع، وله صحبة. وكان راوياً لأم الدرداء. روى عنه ثعلبة بن مسلم وأهل الشام".
وترجمه على الصواب في ((الثقات)) (6/ 395)، فقال: "سليمان بن عبدالله أبو عمران الأنصاري: يروي عن أم الدرداء. روى عنه أهل الشام".
وقال أيضاً في ((الثقات)) (3/ 119): "ذو الأصابع: له صحبة. روى عنه أهل الشام، عداده في أهل بيت المقدس وقبره بها".
قلت: هكذا يفعل أبو حاتم وابن حبان فإنهما يتبعان البخاري في ما يورده في تراجمه، وأحياناً لا يفهما قصده من الترجمة، فيذكران الراوي في عدة أماكن.
· توهيم الحاكم صاحب الكنى للبخاري:
وتوهيم أبو أحمد الحاكم ومن تبعه للبخاري فيه نظر! لأن البخاري عندما ذكره في (باب سليمان) ثم ذكره في (باب سليم) ثم أعاده في الكنى: إنما يريد أن ينبه على أنهم واحد، فبعضهم سماه سليمان وبعضهم سماه سليم، وبعضهم كنّاه، فهو يدرك ما يفعل، وله نظائر في كتابه مثل هذا.
فالإقدام على توهيمه هكذا دون فهم مقصده يحتاج إلى وقفة، وقد أبدع الإمام المعلمي اليماني في شرح مثل ذلك أثناء تحقيقه لكتاب البخاري.
وقد روى ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (22/ 339) من طريق أبي زرعة، قال: حدثني الفوزي الخطاب بن عثمان، عن إسماعيل بن عياش قال: (اسم أبي عمران صاحب أم الدرداء: سليمان).
وقال أبو زرعة: حدثني علي بن عياش، عن إسماعيل بن عياش قال: (اسم أبي عمران الأنصاري صاحب أم الدرداء: سليمان بن عبدالله).
وقال أبو زرعة في تسمية موالي أم الدرداء وأصحابها: (أبو عمران الأنصاري اسمه: سليم بن عبدالله).
فها هم الشاميون سماه بعضهم سليمان وبعضهم سماه سليم، فأين الغلط في النقل من البخاري – رحمه الله -؟!
وعودة الآن إلى ترجمة ذي الأصابع –رضي الله عنه-:
قال ابن سعد في ((الطبقات الكبرى)) (7/ 424): "ذو الأصابع: رجلٌ من أهل اليمن، من المدد الذين نزلوا الشام ببيت المقدس. قال الوليد بن مسلم: حدثنا عثمان بن عطاء، عن أبيه، عن أبي عمران، عن ذي الأصابع، قال: قلت يا رسول الله، إن ابتلينا بالبقاء بعدك، فأين تأمرني أن أنزل؟ قال: ((انزل ببيت المقدس، ولعل الله يرزقك ذرية يعمرون ذلك المسجد يغدون إليه ويروحون)) ".
وهذا الحديث في ((مسند أحمد)) (4/ 67) عن أبي صالح الحكم بن موسى، قال: حدثنا ضمرة بن ربيعة، عن عثمان بن عطاء، عن أبي عمران، عن ذي الأصابع، به.
وقد رواه من طريق المسند الحافظ أبو نعيم في ((معجم الصحابة)) (2/ 1031)، والحافظ الطبراني في ((المعجم الكبير)) (4/ 238) فروياه عن عبدالله بن أحمد عن الحكم! وجاء في المطبوع من المسند عن عبدالله عن أبيه أحمد عن الحكم. هكذا رواه من طريق المسند الحافظ ابن عدي في ((الكامل)) (3/ 119)، والحافظ ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (22/ 338). وكأنه جاء كذلك في بعض نسخ المسند. والصواب أنه من زيادات عبدالله على المسند كما ذكر الحافظ ابن حجر في ((الإصابة)) (2/ 408). ويؤيد ذلك أن أحمد لا يروي عن الحكم بن موسى، وهو من أقرانه، توفي سنة (232 هـ)، وهو من شيوخ عبدالله بن أحمد.