تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فهما امرأتان: الأولى لم يُذكر أنها عصت، ولكنها حبست الهرة وماتت من الجوع، فغضب الله عليها، وأدخلها بسبب ذلك النار، والثانية بغي لها معصية، ولكنها سقت الكلب، فشكر الله لها فغفر لها وأدخلها الجنة.

هذه هي رحمة الله بخلقه، فكيف بمن كرّمهم؟! ﴿إنّا كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر﴾.

إنّ الذين يؤذون عباد الله وأولياءه لهم خزي في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

· دعوى من قال بأن المرأة التي دخلت النار كانت كافرة!

قرأت في بعض «المنتديات» تخريجاً مطولاً لهذا الحديث لأحد الإخوة الذين يكتنون بـ «أبي فلان» ولا يُعرف من هو!!، وأثبت أن هذه المرأة كانت كافرة! وعنوانه مقاله: «إكرام الأبرار بتخريج مسهب لطرق حديث دخلت امرأة النار وتحقيق أنها كانت كافرة ومعه بيان»!

واحتج على ذلك بما رواه أبو داود الطيالسي في «مسنده» (ص199) قال: حدثنا صالح بن رستم أبو عامر الخزاز، قال: حدثنا سيار أبو الحكم، عن الشعبي، عن علقمة، قال: كنا عند عائشة فدخل عليها أبو هريرة، فقالت: يا أبا هريرة، أنت الذي تحدّث: «إن امرأة عذبت في هرة لها ربطتها لم تطعمها ولم تسقها»؟

فقال أبو هريرة: "سمعته منه"، يعني النبي صلى الله عليه وسلم. فقالت عائشة: "أتدري ما كانت المرأة؟ قال: لا. قالت: إن المرأة مع ما فعلت كانت كافرة، إن المؤمن أكرم على الله من أن يعذبه في هرة، فإذا حدثت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فانظر كيف تحدِّث".

ورواه الإمام أحمد في «مسنده» (2/ 519) عن أبي داود الطيالسي به. وأورده الزركشي في كتاب «الإجابة فيما استدركنه عائشة على الصحابة»!

قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (1/ 116): "رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح".

وقال الشيخ شعيب الأرنؤوط أثناء تعليقه على المسند: "إسناده حسن".

وقد مالَ إلى كونها كافرة بعض أهل العلم كالقاضي عياض!!

وقال ابن حجر في «الفتح» (6/ 358) أثناء شرحه للحديث: "قال النووي: الذي يظهر أنها كانت مسلمة، وإنما دخلت النار بهذه المعصية، كذا قال! ويؤيد كونها كافرة ما أخرجه البيهقي في البعث والنشور وأبو نعيم في تاريخ أصبهان من حديث عائشة، وفيه قصة لها مع أبي هريرة، وهو بتمامه عند أحمد" انتهى.

· تفرد صالح بن رستم بذكر القصة بين عائشة وأبي هريرة! وأن المرأة كانت كافرة!

قلت: هذه القصة باطلة ولم تصح!! وما كان ينبغي للحافظ ابن حجر السكوت عليها! والحديث عند الطيالسي في «مسنده» وأحمد إنما خرجه من طريقه كما سبق بيانه.

وهي قصة تفرد بها صالح بن رستم، وتفرده هذا لا يُحتمل. وهي مُعارضة بعدم تفرد أبي هريرة بهذا الحديث، فإن أسماء بنت أبي بكر وعبدالله بن عمر وعبدالله بن عمرو قد رووه عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يذكروا أن المرأة كانت كافرة.

وصالح هذا وثقه بعض أهل العلم كأبي داود، وقال فيه أحمد: "صالح الحديث"، ووثقه أبو داود الطيالسي.

وضعفه جمع من أهل العلم. فقال ابن معين: "ضعيف"، وقال مرة: "لا شيء".

وقال ابن أبي شيبة: سألت ابن المديني عنه؟ فقال: "كان يحدّث عن ابن أبي مليكة، كان ضعيفاً، ليس بشيء".

· حالُ صالح بن رستم، وتفسير قول أحمد وأبي حاتم فيه:

وقال ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (4/ 403): سألت أبي عن أبي عامر الخزاز؟ فقال: "شيخ يكتب حديثه ولا يحتج به، هو صالح، وهو أشبه من ابنه عامر".

قلت: وقوله "صالح" يعني في دينه وهو ممن لا يُتهم، ولكنه ضعيف في الحديث. وقول أبي حاتم: "يكتب حديثه" أي يُعتبر به، وهذا معنى كلام الإمام أحمد "صالح الحديث"، يُعتبر بحديثه ولكن لا يُحتج بما انفرد به.

وتوثيق الطيالسي له لا يُعتد به؛ لأنه ليس من أهل النقد في الرّجال، وقد خالفه من هو أعلم منه بالرجال.

قال ابن حبان في «مشاهير علماء الأمصار» (ص151): "صالح بن رستم من الحفاظ الذين كانوا يخطؤون".

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ١٦٧٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ١٦٧٨