تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالذي نعده مرسل صحابي ما جاء عن صحابي لم يسمع واقعة معينة أو لم يكن موجوداً بقرينة أن هذا الصحابي قد سمع من النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث أخرى، فهذا نعدّ حديثه مرسل صحابي، كحديث عائشة أن الحارث بن هشام سأل النبي صلى الله عليه وسلم: كيف يأتيك الوحي؟ فهذا السؤال لم تكن عائشة حاضرة فيه، ولهذا أعله بعضهم بالإرسال، لكنه مرسل صحابي، فيقبل؛ لأن عائشة سمعت كثيراً منه صلى الله عليه وسلم، وليست مثل أؤلئك الذين لهم رؤية فقط، وإنما أدخلهم العلماء في الصحابة لشرف الصحبة فقط، لكن أن يكون حديثهم مرسل صحابي فهذا لا يستقيم، ولا يُقبل.

وقد تفرد بهذا الحديث عن طارق بن شهاب: علقمة بن مَرثد - وهو كوفي ثقة، وقال فيه أبو حاتم: صالح الحديث-، ولا يوجد هذا الحديث عند أصحاب طارق كقيس بن مسلم الكوفي، وهو من المكثرين عنه، وجُلّ ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث طارق عنه.

بل لا أعرف لعلقمة بن مرثد رواية عن طارق إلا في هذا الحديث!!

وقد تفرد به عن علقمة: سفيان الثوري!

فهذه الطرق لا تتقوى بمجموعها؛ فالعوفي وأبو غالب متروكان .. وابن جدعان أقرب للترك!

وأما حديث طارق فعلته الإرسال وإن كان له رؤية فلا نستطيع أن نجزم انه سمعه من صحابي؛ فلو كان سمعه من صحابي لم يزهد في ذكره بخلاف أحاديثه الأخرى التي يذكر فيها من حدّثه من الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

والإرسال أكثر ما يكون في القصص والحكايات، ولهذا يتناقلها النّاس فيما بينهم.

ولا شك أن الذي يقول كلمة الحق في وجه السلطان الجائر يكون قد أدّى الذي عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ولكن هذا ليس قرآناً بحيث إذا لم يفعل العالِم ذلك اُحتج عليه بهذا الحديث!! سيما وظروف أهل العلم تختلف من مكان لمكان، وقد قال الله سبحانه: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾، فإن إظهار الحق - في غير التوحيد- إذا قضي إلى التهلكة يكون منهياً عنه، فيمكن أن يسكت في هذه الحال. وهذه الآية للمفسرين أقوال كثيرة فيها ومنها ما رُوي عن أبي أيوب الأنصاري أنها نزلت فيهم عندما تركوا الجهاد واعتنوا بأمورهم الدنيوية، إلا أن الآية عامة، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

وقد قال الله تعالى أيضاً: ﴿قال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه﴾، فإن كتمانه إيمانه إنما كان لأجل الخوف من الأعداء، وهو يدخل في معنى التقية وقد سماه - سبحانه - مؤمناً.

وبحسب الحديث فإنّ من قال كلمة عدل وحقّ للسلطان الجائر الذي مَال عَن الْحق؛ فإن هذا من أفضل الجهاد؛ لأن هذا الحاكم الجائر قد يبطش به فيقتله! ولكن قد يقول هذه الكلمة فلا يبطش به، فكيف يكون ذلك من أفضل الجهاد؟!

نعم، هو أدّى ما عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونحتسب أن يكون له أجر الشهيد إن بُطِش به، ولكن لا يمكن أن يكون ذلك أفضل الجهاد، فهذه نكارة في الحديث؛ لأن الجهاد هو مقارعة العدو، وجعل قائل ذلك من أفضل الجهاد يعني أفضل ممن يقاتل في ساحات الوغى، وهذا لا يستقيم.

ولا يُعترض على هذا بما جاء في حديث جهاد النساء عند البخاري: «لَكِنَّ أَفْضَلَ الجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ» فهذا مما رُوي بالمعنى، رُوي هكذا عن حَبِيبِ بن أبي عَمْرَةَ عن عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ عن عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفي رواية عنه أيضاً عن عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ عن عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عن النبي صلى الله عليه وسلم: "سَأَلَهُ نِسَاؤُهُ عن الْجِهَادِ فقال نِعْمَ الْجِهَادُ الْحَجُّ".

ورواه مُعَاوِيَة بن إِسْحَاقَ عن عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ عن عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رضي الله عنها قالت اسْتَأْذَنْتُ النبي صلى الله عليه وسلم في الْجِهَادِ، فقال: "جِهَادُكُنَّ الْحَجُّ".

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ١٦٧٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ١٦٧٣