وذهب السيوطي إلى أن المقصود بها: "مصر".
فكلّ فسّر هذا اللفظ بحسب بلده! ونتيجة للأحداث في العالم العربي الإسلامي وخاصة ما يحدث في الشام استشهد كثير من الناس على أن المقصود بهذا الحديث هم "أهل الشام"!
وذهب كثير من الناس المعاصرين إلى أن المقصود بهذه الطائفة هم "أهل فلسطين" لرواية: (هم ببيت المقدس أو أكناف بيت المقدس) بل قد جزم بعض المشايخ أنهم "حركة حماس" في غزة!!
لكن لفظ «أهل الغرب» أو «أهل المغرب» ليس بثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو لفظ شاذ، لا يُخصص الروايات الكثيرة الأخرى التي لم تقيّد مكان وجود هذه الطائفة.
وكذلك الأحاديث التي فيها تعيين أنهم في بيت المقدس، أو أكناف بيت المقدس! فكلّ ذلك منكرٌ لا يصح، كما فصلته في بحثي: (المُعْجِب في حُكم رواية: «لا يَزَالُ أَهْلُ الغَرْب» أو «أهلُ المَغْرِب»).
وما جاء من تفسير لهذه الطائفة هو اجتهاد من أهل العلم رحمهم الله، ومن حددّ أن هذه الطائفة في الشام اعتمد على الكلام الذي نقله مالك بن يخامر عن معاذ أنهم بالشام، وهذا لا يعدو أن يكون اجتهاداً من معاذ رضي الله عنه؛ لأنه لما رأى تلك الفتوحات في الشام، وكان هو أحد القادة للمجاهدين آنذاك فسّر الطائفة بهم لما جاء في الحديث أنهم لا يزالون يقاتلون، وهم ظاهرون.
وأشهر ألفاظ الحديث حديث ثوبان: «لا تَزَالُ طَائِفَةٌ من أُمَّتِي ظَاهِرِينَ على الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ من خَذَلَهُمْ حتى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ، وَهُمْ كَذَلِكَ».
وحديث المغيرة: «لا تزال طَائِفَةٌ من أُمَّتِي ظَاهِرِينَ حتى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ». وفي بعض الروايات: «لا يَزَالُ نَاسٌ» أو: «لَنْ يَزَالَ قَوْمٌ» ونحوها بتقديم أو تأخير حرف. وفي بعض الروايات «لا تزَالُ عصابة».
وأقرب الروايات إلى الصواب في الحديث: لفظ «طائفة»، فهذه طائفة تدور من مكان إلى آخر لا تستقر في مكان، وفي معنى الطائفة الاجتماع والحفظ، وهذا يشعر بالأمان والستر، ففي قوله سبحانه: ﴿وليشهد عذابهما طَائِفَة من الْمُؤمنِينَ﴾ أراد أن يكون هؤلاء حول من يُقام عليهم الحد ستراً وحفظاُ لهم، مع تحقق مقصد إقامة الحد: فشرد بهم من خلفهم.
فهذه الطائفة تحمل همّ الدّين وتقاتل من أجله، وتنصر شريعته، يطوفون في كلّ مكان، فما من مكان فيه جهاد إلا أتوه وقاتلوا لإعلاء كلمة الله سبحانه، تتردد هنا وهناك، تبدأ في مكان وتعود إليه كما في الطواف حول الكعبة، وكما في قوله صلى الله عليه وسلم في الهرّة: «إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ، هِيَ مِنَ الطَّوَّافِينَ، أَوِ الطَّوَّافَاتِ».
وهذا لا يعني أن هذه الطائفة تنتقل كلها من مكان إلى آخر بحيث لا تبقى في المكان الذي كانت فيه من قبل، وإنما قد تكون طائفة هنا، وطائفة هناك، وكذلك يكون لها من ينصرها ممن هم على نهجها دون مباشرة القتال، فكلهم على نهج واحد = نصرة الدِّين.
فالمراد بالحديث طائفة من المسلمين من الشام والحجاز ومصر والعراق والمغرب وغيرها من الأماكن، علماء وغيرهم، لا تزال فيهم بقية الذبّ عن دينهم، والتمسك به وإن انفردوا وخالفهم الغير، وهم الذين يقارعون الأعداء بسيوفهم، ومناصروهم بكتاباتهم والذبّ عنهم، والمراد ببقاء ظهورهم على الحقّ ظهور حجتهم وقوتها إلى أن تقوم الساعة.
واجتماع هؤلاء من أماكن مختلفة يُجسد اللُحمة المسلمة والعقيدة الواحدة = عقيدة التوحيد التي بُعث من أجلها الأنبياء، فيقدّمون أرواحهم في سبيل هذه العقيدة سائرون على نهج الأنبياء وأتباعهم.
22/ 4/2015 م
* دكتور في الحديث وباحث في شؤون الجماعات الإسلامية
http://islamion.com/news/show/20268