ويقابل الأول: إثبات ما يمكن اتصافه ولا يجب، والثاني: إثبات ما يجب اتصافه به؛ فيكون المراد به: سلب الممتنع وإثبات الواجب؛ كقولنا: زيد حيوان؛ فإن هذا إثبات واجب، وزيد ليس بحجر؛ فإن هذا سلبُ ممتنعٍ.
وعلى هذا التقدير؛ فالممكنات التي تقبل الوجود والعدم؛ كقولنا: «المثلث إما موجود، وإما معدوم»؛ يكون من قسم العدم والملكة، وليس كذلك؛ فإن ذلك القسم يخلو فيه الموصوف الواحد عن المتقابلين جميعًا، ولا يخلو شيء من الممكنات عن الوجود والعدم.
وأيضًا: فإنه على هذا التقدير، فصفات الرب كلها واجبة له، فإذا قيل: «إما أن يكون حيًا، أو عليمًا، أو سميعًا، أو بصيرًا، أو متكلمًا، أو لا يكون»؛ كان مثل قولنا: «إما أن يكون موجودًا، وإما أن لا يكون»، وهذا متقابل تقابل السلب والإيجاب؛ فيكون الآخَر مثله؛ وبهذا يحصل المقصود.
فإن قيل: هذا لا يصح حتى يُعلم إمكان قبوله لهذه الصفات.
قيل له: هذا إنما اشتُرِط فيما أمكن أن يثبت له ويزول؛ كالحيوان، فأما الرب تعالى؛ فإنه بتقدير ثبوتها له؛ فهي واجبة، ضرورة أنه لا يمكن اتصافه بها وبعَدَمِها باتفاق العقلاء، فإن ذلك يوجب أن يكون تارة حيًا وتارة ميتًا، وتارة أصمَّ وتارة سميعًا، وهذا يوجب اتصافه بالنقائص؛ وذلك منتفٍ قطعًا.