تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2 جمادى الآخرة - 1316ه

نوفمبر - 1898م

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

] وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون [[*]

توالت الفتن على الممالك الشرقية، وأوغلت الدول الفاتحة في بلادها،

وولغت في أحشائها بعد ما نقصتها من أطرافها، واستدرت بالتجارة أخلافها، تفنن

الطامعون بها في أطماعهم، ولونوا الفتوح والامتلاك بألوان كثيرة، منها ما يزعج

مظهره، وتفزع رؤيته، ويخشى مخبره، وتحذر مغبته. ومنها ما يبهج منظره،

وتسر رؤيته، وتخدع غايته وتغر عقباه. ما هي تلك الألوان؟ حماية رجال

الديانة المسيحية. رعاية المصالح الخصوصية. وقاية البلاد من الأعداء. إصلاح

البلاد ونشر المدنية فيها. الاحتلال المؤقت لمعاهدات مخصوصة. الحماية.

الاستئجار!

كل هذه ألفاظ لا معنى لها إلا الاستيلاء والتملك بدون حرب ولا كفاح. وقد

نجحت الدول القوية في هذه الحروب السياسية والفتوحات السلمية، وكادت - لولا

تنازعها - تستولي على جميع بلاد آسيا وإفريقيا. على أن التنازع ما أوقف تسيارها

ولا صد تيارها، وقصارى ما فعل أنه أطعمها الفريسة لقمة لقمة، فأفادها بما أمنها

من تعسر الازدراد وتعذر الهضم إذا هي التهمتها مره واحدة.

هل تنبه الشرقيون لهذه القوارع التى تقع على رءوسهم، والصواخ التى

تطرق آذانهم، وأصابع الحوادث التى تكاد تفقأ عيونهم؟ نعم، قد تنبهوا وشعروا

بالرجز الأليم، وطفقوا يتململون كما يتململ السليم، إلا قليلا منهم (صم بكم عمي فهم

لا يعقلون) . نعم قد تنبهوا لمصابهم، ولكن هل علموا بعلته وأسبابه؟ كلا سوف

يعلمون، ثم كلا سوف يعلمون. لو علموا السبب لاندفعوا لإزالة العلة قبل

استحكامها، ومداواة الداء قبل الإيداء (الهلاك) فلا بد من العلم قبل العمل {وهم

ينهون عنه وينئون عنه وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون} (الأنعام: 26) كيف

يهلك الله الشعوب ويبيد الأمم، وكيف يديل من الدول دولا وينزع السيادة من

قوم، ويستخلف من بعدهم قوما آخرين؟

يقول المسلمون: إن الدين هو الذي كان سبب سيادتهم وسعادتهم، وإن

الإعراض عنه هو الذي أوقعهم في الشقاء وأنزل عليهم البلاء. ويحتجون بآيات من

الكتاب العزيز، كقوله تعالى ﴿أن الأرض يرثها عبادي الصالحون﴾ (الأنبياء: 105) وقوله تعالى ﴿وكان حقا علينا نصر المؤمنين﴾ (الروم: 47)

حقا قالوا، ولكن أكثرهم يلهج بالقول عن غير فهم ولا بصيرة، متوهمين أن في الدين

سرا روحانيا غير معقول، يمد الآخذين به بالنصر والقوة ويعطيهم الغلب

بالخوارق والكرامات!

ويقول الناظرون في سير الإنسان في زمانهم الحاضر والواقفين على تاريخه

في الزمن الغابر: إن ضعف الأمم وانحلالها، وهلاك الشعوب وانقراضها، وعزة

الدول وامتناعها، وسيادتها وارتفاعها، كل ذلك جار على نواميس طبيعية، وسنن

إلهية، لا تغير ولا تحور ولا تبدل ولا تحول، وقد هدى الله بفضله النوع الإنساني

النجدين، وبين له الطريقين، فمن سار على طريق الترقي والسيادة، مراعيا سنن

الله تعالى فيهما وصل إليهما، سواء كان مؤمنا أم كافرا، فالدين لا أثر له في عزة

الأمم ولا في ضعفها واستكانتها، والشاهد على ذلك أن جميع الدول الإسلامية اليوم

ضعيفة، ودولة اليابان الوثنية في أعلى درجات القوة والعزة، بل إن الأمم المتمدنة

تعتقد أن الدين حجاب كثيف يحول دون الارتقاء، لولا أن مزقته لما لاح لها نور

العلم بطرق السعادة، وقيد ثقيل لولا أن فكوه لما أمكنهم الإيجاف والإبضاع والتزلل

والارتفاع، ولظلوا يرسفون رسفان (مشي المقيد) من لا تزال القيود في أرجلهم،

والأغلال في أعناقهم، ومن رأي هؤلاء: أن العقبة الكبري في طريق تقدم الدول

الإسلامية هو الدين نفسه، وأنهم إذا مرقوا منه رجي لهم اتباع خطوات أوروبا

وتقدموا كما تقدمت!

من كان مبغضا للمسلمين من هؤلاء يسجل عليهم الضعف والانحطاط، بل

يعدهم بالحمام والموت الزؤام. ومن يحب المدافعة عنهم لأمر ما يقول: إن فيهم

قابلية للنهوض والترقي والأخذ بأساليب المدنية الجديدة التي ساد فيها غيرهم،

مستدلا بأن الحكومة المصرية مثلا لا تأبى قبول أي عمل تأتيه الحكومات الأوروبية

حتى إباحة الموبقات من السفاح والسكر ونحوه، لكن الشعوب الإسلامية لجهلها لا

تجاري حكامها التي نزعت إلى الإصلاح الأوروبي، ولذلك يحكم علماؤها بكفر

الآخذين بالتمدن الأوروبي من حاكم ومحكوم، فدليل الترقي (وهو تقليد أوروبا على

رأيهم) هو عند تلك الشعوب دليل على الانحطاط والتدلي؛ لأنهم يعتقدون أن

التقدم محصور في التسمك بالدين، والجري على آثار آبائهم الأولين، فيجب على

الحكومة تعليمهم وتنبيههم ليساعدوها على الإصلاح، وإلا تعذر النجاح واستحال

الفلاح.

هذا ملخص ما يقوله فينا المتمدنون، ويكتبه في سياستنا الكاتبون، وقد اشتبه

على الدهماء منا حقه بباطله، ورأى فيه المنحرفون شبهة على بطلان الدين،

وهبوطه بالآخذين به إلى أسفل سافلين؛ لأن من المشهود الذي لا يمكن إنكاره أن

المسلمين أمسوا أفقر الأمم وأكسلها وأجهلها، ودولهم باتت أضعف الدول وأظلمها. ولا

فرق بينهم وبين جيرانهم يضاف إليه هذا التقهقر والانحطاط إلا في الدين، فلا جرم

أن الناظر في طبائع الملل يضيف ذلك إليه ويقرنه به، وإننا نكشف الغطاء عن تحقيق

الحق في المسألة لينجلي الصبح لذي عينين فنقول:

قول المسلمين: إن الدين هو الذي كان سبب سيادتهم وسعادتهم، وإن خسران

تلك السيادة والسعادة إنما جاء من الانحراف عن هديه - صحيح، وقول القائلين: إن

الله - تعالى - قد جعل لارتقاء الأمم سننا حكيمة من سار عليها فاز ومن تنكبها خسر

مهما كان دينه - صحيح أيضا، وقد صرحنا بمثله غير مرة (انظر العدد 15 من

المنار) وقد غالى كل فريق في رأيه، فزعم المسلمون أن الانتساب للدين فيه أسرار

غير معقولة تعطي أصحابه قوى غيبية تكون بها غلبتهم على من سواهم، وزعم

الآخرون أن الدين لا أثر له في الإسعاد، بل هو موقع لأربابه في الشقاء، فأفرط

الغالون وفرط المارقون، اغترارا بأولى المسلمين، وآخرة الأوروبيين، ولم تخرج

سيادة المسلمين في أول نشأتهم عن نواميس الكون إلا ما أمد الله به نبيه (صلى الله

تعالى عليه وسلم) عند ضعف المسلمين ووهنهم بالمعونة الربانية زيادة عن

المحافظة على السنن العامة، وتلك سنته تعالى مع أنبيائه. ألم تر كيف كان الظفر

كاملا والتأييد شاملا في غزوة بدر ووقعه الأحزاب ونحوهما مع قلة المسلمين

وضعفهم، ويوم حنين إذ أعجبتهم كثرتهم فلم تغن عنهم شيئا وولوا مدبرين؟ وكيف

انكسروا في واقعة أحد لإخلالهم بالسنة الإلهية، وهي طاعة الرئيس بالحق.

وأما أوروبا فإن الدين لم يكن صادا لها عن التقدم إلا بما زاد عليه الرؤساء من

المنع عن النظر في نواميس الكون وسائر الفنون العقلية، وسلب الاستقلال في

الإرادة والرأي، والحرية في القول والعمل، بحجة الدين. فلما اهتدى القوم إلى هذا

بما اقتبسوه من الإسلام في حروبهم الصليبية أقاموا في ضوئه أساس مدنيتهم، ولما

أحسوا بلذة المدنية طفقوا ينسلون من الدين الذي كان مانعا لهم منها، ولكن نبذ الدين

رماهم بشرور ستضطرهم إلى الرجوع إلى الدين يوما ما؛ لأن كمال البشر لا يتم إلا

به كما قال وعلى الوجه الذي بينه أستاذنا في رسالة التوحيد.

والاعتدال في مسألتنا الذي نريد أن نبينه هو: أن الدين الإسلامي دين الفطرة

لما كان مرشدا إلى سعادة الدنيا والآخرة معا بين للناس أن لله في خلقه سننا حكيمة،

لا تبدل ولا تحول، وهداهم إلى السير عليها، وشرع لهم من الأحكام ما إن تمسكوا

به لن يضلوا عن طرق السعادة أبدا، ومن السنن التي بينها القرآن بيانا كافيا وكرر

القول فيها سنته تعالى في إهلاك الأمم وسقوط الدول، قال تعالى {ولقد أهلكنا

القرون من قبلكم لما ظلموا} (يونس: 13) وقال تعالى {وإذا أردنا أن نهلك قرية

أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا} (الإسراء: 16)

وقال تعالى ﴿وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون﴾ (القصص: 59) وبين

تعالى أن الظلم إذا وقع في أمة يعمها العذاب، وإن لم يواقع الظلم جميع أفرادها، فقال

﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب﴾ (الأنفال: 25) والآيات الناطقة بأن الظلم مؤذن بهلاك الأمم وفساد العمران كثيرة

جدا، وتقابلها الآيات المبينة أن التقوى والصلاح، والإصلاح والعدل ونحوها من

صفات الكمال واقية من حلول البلاء، وسبب لزيادة النعماء، وهي كثيرة أيضا منها

﴿أن الأرض يرثها عبادي الصالحون﴾ (الأنبياء: 105) الصالح في عرف

المسلمين من يقوم بحقوق الله وحقوق العباد، وقال الشيخ الأكبر- قدس الله سره -:

المراد بالصالحين هنا الذين يصلحون لعمارتها وإدارة أعمالها ومنها

﴿إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين﴾ (الأعراف: 128) .

وقد صدرنا هذه المقالة بآية كريمة وموعظة حكيمة وهي

{وما كان ربك

ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون}

(هود: 117) قوله تعالى] وما كان ربك [

... إلخ معناه: ما كان من شأنه ذلك، ولم تجر سنته به، فكل آية مصدرة بذلك فهي

قاعدة عامة تنبئ عن سنة ثابتة، وفسر الظلم في الآية بالشرك، وهي نص على أن

إصلاح الناس فيما بينهم مانع من إهلاكهم وتسليط الأعداء عليهم وإن كانوا مشركين

بالله تعالى، وفيها دليل على أن الإيمان بالله من غير إصلاح الأعمال وعدل العمال

لا يمنع الإهلاك، يؤيده قوله تعالى {فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم

يحزنون} (الأنعام: 48) وقوله عز وجل {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا

الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم} (النور: 55) وتأمل

قوله] كما استخلف الذين من قبلهم [ففيه إشارة إلى أن سنته تعالى واحدة، وأما

آية ﴿وكان حقا علينا نصر المؤمنين﴾ (الروم: 47) فيحمل الإطلاق فيها على

التقييد في الآيات الكثيرة أو يراد بالتعريف: التعظيم، والمراد: المؤمنون الكاملون

الذين يقومون بحقوق الإيمان، على أن الإيمان يطلق كثيرا على التصديق

والعمل الصالح معا، والأحاديث الصحيحة في ذلك كثيرة، ومنها ما ورد: أن

الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن

الطريق.

أرشد الدين الإسلامي إلى السنن الإلهية وأمر بالنظر في الكون والتفكر

والاعتبار، وفصل ما تمس إليه الحاجة، وهدانا إلى أن لكل عمل أثرا لا يتعداه،

وأن الأسباب مربوطة بمسبباتها، وكل سبب يفضي إلى غاية، والأمور الدنيوية لا

يمنعها الله عن طلابها إذا أتوا البيوت من أبوابها، والتمسوا الرغائب من طرقها

وأسبابها، سواء كانوا مؤمنين أم كافرين، وإنما الإيمان شرط للمثوبة في العقبى

وكمال السعادة في الدنيا {كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء

ربك محظورا} (الإسراء: 20) . بهذا كان الدين الإسلامي سببا في سعادة ذويه

وسيادتهم عند ما كانوا مهتدين بهديه ومتمسكين بحبله، لا بأسرار خفية وأمور

غير معقولة. لكن جهل المسلمين بتعاليم دينهم أفضى بهم إلى التفرق والانقسام

والميل مع الهوى، وجهلهم بحالة العصر زادهم عمها وحيرة في الدين والدنيا. ثم

لما اتصل بعض أمرائهم وحكامهم بالأوروبيين رأوا أنفسهم مضطرين إلى

مجاراتهم وموافقتهم، فقلدوهم عن غير بصيرة، فكانوا بذلك عونا لهم على أنفسهم،

فازدادوا من الأمة بغضا على بغض الظلم والفسق، وعجز العلماء والفقهاء عن

هدايتهم إلى تعاليم الدين الموافقة لروح العصر، لعدم وقوفهم على حالة العصر، على

أن الباحثين عن هذه التعاليم نفر قليل في كل قطر، ولا يكادون يتسامون إلى

مراتب الأمراء والسلاطين، والمتصدرون جهلاء وعن الإصلاح بعداء،

الجماهير منهم مشغولون بالمباحث اللفظية وأساليب الكتب وخلاف الفقهاء،

والمدعون الإرشاد لا هم لهم إلا المفاخرة بالأنساب، ومناهضة بعضهم بعضا حسدا

وغواية، وخداع العامة بأنهم في قصورهم وأجدادهم في قبورهم متصرفون في

الأكوان! يشقون ويسعدون ويفقرون ويغنون ويحلون ويعقدون ويحيون ويميتون

ويوم القيامة يشفعون فيشفعون {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون * كلا إنهم

عن ربهم يومئذ لمحجوبون} (المطففين: 14-15) لأنهم مضلون يقولون على الله

الكذب وهم يعلمون.

فهؤلاء رؤساؤنا من الحكام والعلماء والمرشدين، هذه أحوالهم يشكو بعضهم

من بعض، ولا يهتم أحد منهم إلا بتحصيل رغائبه، ونكاية مناصبه، وقد ضاعت

الأمة فيما بينهم: ضاع دينها بإهمال التعليم والإرشاد، وضاعت دنياها بترك العدل

في البلاد ﴿فصب عليهم ربك سوط عذاب * إن ربك لبالمرصاد﴾ (الفجر:13-

14) . وأي عذاب أشد من سوء الحال، وضياع الاستقلال، وانتزاع ممالكهم من

أيديهم ولا حرب ولا قتال. فإذا ادعوا أنهم على الإسلام فأين آثاره التى تدل عليه؟

وإذا اعترفوا بالانحراف عنه فليرجعوا إليه، وإلا فلينتظروا من الأمر ما هو أدهى

وأمر، وأنكى وأضر، ولنا الرجاء بأن المسلمين قد تنبهوا من رقادهم، وطفقوا

يرجعون إلى رشادهم، وذلك بتعميم التربية والتعليم، والله يهدي من يشاء إلى

صراط مستقيم.

-----------------

<span class="footnote">

(*) (هود: 117) ، فاتحة العدد الحادي والثلاثين الصادر في 2 جمادى الآخرة سنة 1316.</span></span>

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١ · الصفحة ٥٨٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١ · ص ٥٨٥