وخلف فيهم الأموال، فأقاموا في خندقهم، وقد أحاطوا به الحسك من الخشب إلا طرقهم قال عمرو، عن عامر الشعبي: كان أبو بكر لا يستعين في حربه بأحد من أهل الردة حتى مات، وكان عمر قد استعان بهم، فكان لا يؤمر منهم أحدا إلا على النفر وما دون ذلك، وكان لا يعدل أن يؤمر الصحابة إذا وجد من يجزى عنه في حربه، فإن لم يجد ففي التابعين بإحسان، ولا يطمع من انبعث في الرده في الرياسة، وكان رؤساء أهل الردة في تلك الحروب حشوة إلى أن ضرب الإسلام بجرانه.
ثم اشترك عمرو ومحمد والمهلب وطلحة وسعيد، فقالوا: ففصل هاشم ابن عتبة بالناس من المدائن في صفر سنة ست عشرة، في اثني عشر ألفا، منهم وجوه المهاجرين والأنصار وأعلام العرب ممن ارتد وممن لم يرتد، فسار من المدائن إلى جلولاء أربعا، حتى قدم عليهم، وأحاط بهم، فحاصرهم وطاولهم أهل فارس، وجعلوا لا يخرجون عليهم إلا إذا أرادوا، وزاحفهم المسلمون بجلولاء ثمانين زحفا، كل ذلك يعطي الله المسلمين عليهم الظفر، وغلبوا المشركين على حسك الخشب، فاتخذوا حسك الحديد.
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن عقبة بن مكرم، عن بطان بن بشر، قال: لما نزل هاشم على مهران بجلولاء حصرهم في خندقهم، فكانوا يزاحفون المسلمين في زهاء وأهاويل، وجعل هاشم يقوم في الناس، ويقول: إن هذا المنزل منزل له ما بعده، وجعل سعد يمده بالفرسان حتى إذا كان أخيرا احتفلوا للمسلمين، فخرجوا عليهم، فقام هاشم في الناس، فقال: أبلوا الله بلاء حسنا يتم لكم عليه الأجر والمغنم، واعملوا لله فالتقوا فاقتتلوا، وبعث الله عليهم ريحا أظلمت عليهم البلاد فلم يستطيعوا إلا المحاجزة، فتهافت فرسانهم في الخندق، فلم يجدوا بدا من أن يجعلوا فرضا مما يليهم، تصعد منه خيلهم، فأفسدوا حصنهم، وبلغ ذلك المسلمين، فنظروا إليه، فقالوا: أننهض إليهم ثانية فندخله عليهم