وقوله تعالى: ﴿ ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ﴾ أي ثم لتسألن يومئذ عن شكر ما أنعم الله به عليكم، من الصحة والأمن والرزق وغير ذلك، ما إذا قابلتم به نعمه من شكره وعبادته. روى ابن جرير، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
" بينما أبو بكر وعمر جالسان إذا جاءهما النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " ما أجلسكما ههنا؟ " ، قالا: والذي بعثك بالحق ما أخرجنا من بيوتنا إلا الجوع، قال: " والذي بعثني بالحق ما أخرجني غيره " ، فانطلقوا حتى أتوا بيت رجل من الأنصار، فاستقبلتهم المرأة، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: " أين فلان؟ " فقالت: ذهب يستعذب لنا ماء، فجاء صاحبهم يحمل قربته، فقال: مرحبا ما زار العباد شيء أفضل من نبي زارني اليوم، فعلق قربته بكرب نخلة، وانطلق فجاءهم بعذق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ألا كنت اجتنيت " ، فقال: أحببت أن تكونوا الذين تختارون على أعينكم، ثم أخذ الشفرة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " إياك والحلوب " فذبح لهم يومئذ، فأكلوا فقال النبي صلى عليه وسلم: " لتسألن عن هذا يوم القيامة أخرجكم الجوع، فلم ترجعوا حتى أصبتم هذا، فهذا من النعيم "
وروى الإمام أحمد عن جابر بن عبد الله قال:
" أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رطبا وشربوا ماء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هذا من النعيم الذي تسألون عنه " "
وروى الإمام أحمد عن محمود بن الربيع قال:
" لما نزلت ﴿ ألهاكم التكاثر ﴾ فقرأ حتى بلغ ﴿ لتسألن يومئذ عن النعيم ﴾ قالوا: يا رسول الله عن أي نعيم نسأل؟ وإنما هما الأسودان الماء والتمر، وسيوفنا على رقابنا، والعدو حاضر، فعن أي نعيم نسأل؟ قال: " أما إن ذلك سيكون " ".
وروى الترمذي، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" إن أول ما يسأل عنه العبد من النعيم أن يقال له ألم نصح لك بدنك، ونروك من الماء البارد "
؟ وروى ابن أبي حاتم عن عبد الله بن الزبير قال، قال الزبير:
" لما نزلت ﴿ ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ﴾ قالوا: يا رسول الله لأي نعيم نسأل عنه وإنما هما الأسودان التمر والماء؟ قال: " إن ذلك سيكون " "
وفي رواية عن عكرمة:
" قالت الصحابة: يا رسول الله، وأي نعيم نحن فيه؟ وإنما نأكل في أنصاف بطوننا خبز الشعير؟ فأوحى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم: قل لهم: أليس تحتذون النعال، وتشربون الماء البارد؟ فهذا من النعيم "
وعن ابن مسعود مرفوعا: " الأمن والصحة ". وقال زيد بن أسلم
" عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ﴾ يعني شبع البطون، وبارد الشراب، وظلال المساكن، واعتدال الخلق ولذة النوم "
، وقال مجاهد: عن كل لذة من لذات الدنيا، وقال الحسن البصري: من النعيم الغداء والعشاء، وقول مجاهد أشمل هذه الأقوال، وقال ابن عباس: ﴿ ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ﴾ قال: النعيم صحة الأبدان والأسماع والأبصار، يسأل الله العباد فيما استعملوها، وهو أعلم بذلك منهم، وهو قوله تعالى:
إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا
[الإسراء: 36]. وثبت في " صحيح البخاري " و " سنن الترمذي " عن ابن عباس قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ "
، ومعنى هذا أنهم مقصرون في شكر هاتين النعمتين لا يقومون بواجبهما، ومن لا يقوم بحق ما وجب عليه فهو مغبون.