وقد افتتح الأزهري مادة (جبر) بقوله: قال الله عز وجل: "إن فيها قوما جبارين" [المائدة:22] . قال أبو الحسن اللحياني: أراد الطول والقوة والعظم، والله أعلم بذلك. قلت: كأنه ذهب به إلى الجبار من النخيل، وهو الطويل الذي فات يد المتناول، يقال: رجل جبار إذا كان طويلا عظيما قويا، تشبيها بالجبار من النخيل".
وقد يستغرب هذا التأويل من لم يكن عارفا بلغة العرب، ولعدم استخدام الجبار لدينا بالمعنى الذي ذكره الأزهري، لكن من عرف أن الجبار في لغة العرب يدل على ذلك المعنى، ولم يسلط عرفه اللغوي على العرف اللغوي الذي كان في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم- لم يستغرب ذلك المعنى، خاصة مع قول ابن فارس في كتابه مقاييس اللغة (1/501) : " الجيم والباء والراء: أصل واحد، وهو جنس من العظمة والعلو والاستقامة، فالجبار: الذي طال وفات اليد، يقال: فرس جبار، ونخلة جبارة..".
وقال القطامي (في ديوانه 351) :
ومن ينزع أرومته لأخرى فذاك لثابت الأصل اعتقار
كما الزيتون لا يماز نخلا ولا الجبار تبدله صحار
يقول: من ترك أصله وانتسب لغير أصله، فهذا لمن كان صحيح النسب مذلة. كما أن شجر الزيتون لا يمكن أن يفارق شجرة الزيتون إلى النخل، والنخل الطوال (وهي الجبار) ، لا تستبدلها صحار بغيرها، وصحار بلد بعمان مشهورة بكثرة النخيل.
وعلى هذا يكون قول النبي - صلى الله عليه وسلم-: "بذراع الجبار" يعني: بذراع الطويل الفائت الطول.
وهذا أقوى ما يظهر لي من معناه، وهو ظاهر لا إشكال فيه. والله أعلم
والحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.