تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ذهب جمهرة من المفسرين: إلى أن الغمام في الآية إنما هو آلة الظل، ولا يجوز أن يكون مفعولا به، لأنه لم يقع عليه فعل الفاعل، إلا بتأويل: جعلنا الغمام عليكم طبقات، فالطبقة العليا تظل التي أسفل منها، ولهذا حكموا عليه بأنه منزوع الخافض أي ظللناكم بالغمام، أشار إلى ذلك أبو البقاء، ومنع أن يكون الفعل متعديا إلى الغمام بنفسه، لأنه لم يقع عليه فعل الفاعل، وقال أبوحيان:"مفعول على إسقاط حرف الجر، أي بالغمام كما تقول ظللت على فلان بالرداء، أو مفعول به لا على إسقاط الحرف، ويكون المعنى جعلناه عليكم ظللا، فعلى هذا الوجه الثاني يكون (فعل) فيه بجعل الشيء بمعنى ما صيغ منه كقولهم: عدلت زيدا أي: جعلته عدلا فكذلك هذا، معناه: جعلنا الغمام عليكم ظلة، وعلى الوجه الأول تكون (فعل) فيه بمعنى أفعل، فيكون التضعيف أصله للتعدية ثم ضمن معنى فعل يعدى ب (على) فكأن الأصل: وظللناكم أي أظللناكم بالغمام"، ويرى السمين أن الغمام مفعول به للفعل ظلل على تضمين (ظلل) معنى (جعل) ، وحكى قول أبي البقاء السابق، وقال عنه: إنه تفسير معنى لا إعراب وعلل ذلك بقوله: "لأن حذف حرف الجر لا ينقاس"، وقال المنتجب: "أي: جعلنا الغمام يظلكم".

وعلى هذا نجد أن أبا البقاء، وأبا حيان يذهبان إلى أن الغمام منصوب على نزع الخافض، وأن المنتجب والسمين يذهبان إلى تضمين الفعل (ظلل) معنى الفعل (جعل) ، والتضمين - وإن نودي بقياسيته - إلا أنه محكوم بأضيق نطاق، ونزع الخافض في الآية ليس من مواطن القياس فكلاهما على المشهور غير قياسي، ولعل مما يرجح التضمين على القول بنزع الخافض أن الفعل (ظلل) عدي إلى المفعول به ب (على) مع أنه - في الأصل- متعد بنفسه، ولم يكن السياق ظللناكم بالغمام، لأن (جعل) يتعدى للثاني ب (على) فلما ضمن ظلل معنى جعل عدي بالحرف الذي يتعدى به جعل.

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية · الجزء ٤٥ · الصفحة ١٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة النبويةج ٤٥ · ص ١٨٢