تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وسأقتصر في التمثيل على ذلك بنقلين عن اثنين من المعاصرين حول ما فهماه من كلامه رحمه الله، ثم أوضح ما في ذلك من انحراف وفساد وشطط في فهم كلام الإمام مالك رحمه الله.

1- قال الكوثري معلقا على أثر الإمام مالك: "الاستواء معلوم يعني مورده في اللغة والكيفية التي أرادها الله مما يجوز عليه من معاني الاستواء مجهولة، فمن يقدر أن يعينها؟ فتحصل لك من كلام إمام المسلمين مالك أن الاستواء معلوم وأن ما يجوز على الله غير متعين وما يستحيل عليه هو منزه عنه".

ففهم من كلام الإمام مالك رحمه الله أنه أراد تفويض المعنى، لأن الاستواء بزعمه مورده في اللغة جاء على معان عديدة ولا يدرى ما المقصود بالاستواء المضاف إلى الله منها، ولهذا قال: "والكيفية التي أرادها الله مما يجوز عليه من معاني الاستواء مجهولة فمن يقدر أن يعينها؟ ".

ولهذا قال في تعليقه على الأسماء والصفات للبيهقي: "الاستواء الثابت له جل جلاله استواء يليق بجلاله على مراد الله ومراد رسوله من غير خوض في المعنى كما هو مسلك السلف".

2- وقال البوطي بعد ما قرر أن مذهب الخلف هو تأويل النصوص: "وهكذا فقد كان بوسع الإمام مالك رحمه الله أن يقول في عصره لذلك الذي سأله عن معنى الاستواء في الآية: "الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة"، إذ كان العصر عصر إيمان ويقين راسخين، بسبب قرب العهد بعصر النبوة، وامتداد الإشراق إليه، ولكن لم يكن بوسع الأئمة الذين قاموا في عصر التدوين وازدهار العلوم، واتساع حلقات البحث وفنون البلاغة أن يسلموا ذلك التسليم دون أن يحللوا هذه النصوص على ضوء ما انتهوا إليه من فنون البلاغة والمجاز، خصوصا أن فيهم الزنادقة الذين لا يقنعهم منهج التسليم ويتظاهرون بالحاجة إلى الفهم التفصيلي وإن كانوا في حقيقة الأمر معاندين.

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية · الجزء ٤٢ · الصفحة ٤٠٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة النبويةج ٤٢ · ص ٤٠٤