فكيف يطمع العقل المخلوق المحصور المحدود في معرفة كيفية من له الكمال كله، والجمال كله، والعلم كله، والقدرة كلها، والعظمة كلها، والكبرياء كلها؟ من لو كشف الحجاب عن وجهه لأحرقت سبحاته السموات والأرض وما فيهما وما بينهما، وما وراء ذلك، الذي يقبض سمواته بيده فتغيب كما تغيب الخردلة في كف أحدنا، الذي نسبة علوم الخلائق كلها إلى علمه أقل من نسبة نقرة عصفور من بحار العلم الذي لو أن البحر يمده من بعده سبعة أبحر مداد وأشجار الأرض من حين خلقت إلى قيام الساعة أقلام، لفني المداد وفنيت الأقلام، ولم تنفد كلماته، الذي لو أن الخلق من أول الدنيا إلى آخرها، إنسهم وجنهم، وناطقهم وأعجمهم، جعلوا صفا واحدا ما أحاطوا به سبحانه، الذي يضع السموات على إصبع من أصابعه، والأرض على إصبع، والجبال على إصبع، والأشجار على إصبع، ثم يهزهن، ثم يقول: أنا الملك.
فقاتل الله الجهمية والمعطلة! أين التشبيه ها هنا؟ وأين التمثيل؟ لقد اضمحل ها هنا كل موجود سواه، فضلا عن أن يكون له ما يماثله في ذلك الكمال، ويشابهه فيه، فسبحان من حجب عقول هؤلاء عن معرفته، وولاها ما تولت من وقوفها مع الألفاظ التي لا حرمة لها، والمعاني التي لا حقائق لها.
ولما فهمت هذه الطائفة من الصفات الإلهية ما تفهمه من صفات المخلوقين، فرت إلى إنكار حقائقها، وابتغاء تحريفها، وسمته تأويلا، فشبهت أولا، وعطلت ثانيا، وأساءت الظن بربها وبكتابه وبنبيه، وبأتباعه".
ثم بين رحمه الله وجه إساءة هؤلاء الظن بربهم وكتابه ونبيهم وأتباعه.