تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والمعنى أن إبراهيم لما غشيه الليل بظلامه رأى كوكبا - وإنما يتحقق ذلك بزوال نور الشمس عن الحس.

قوله: ﴿هذا ربي﴾ قال ذلك إذ لم يكن عارفا بربه لطفوليته - والجهل بسبب الطفولة قبل قيام الحجة لا يضر ولا يكون كفرا - لكن هذا التأويل قد رد على أنه غير جائز أن يكون لله تعالى رسول يأتي عليه وقت من الأوقات وهو غير موحد ولا عارف بالله - وهو كذلك بريء من كل معبود سواه.

وقيل: لما خرج إبراهيم من السرب (النفق) رأى ضوء الكوكب وهو طالب لربه فظن أنه ضوؤه قال: ﴿هذا ربي﴾ أي بأنه تراءى لي نوره.

وقيل: إنه قال: ﴿هذا ربي﴾ على قولكم، لأنهم كانوا يعبدون الأصنام والشمس والقمر - وهو نظير قوله تعالى: ﴿أين شركاءى﴾ وهو سبحانه واحد ليس له شريك - والمقصود: أين شركائي على قولكم.

قوله: ﴿فلما أفل قال لا أحب الأفلين﴾ أي لما غاب الكوكب الذي ظنه ربا أعلن عن نفوره من مثل هذه الأرباب التي تنتقل من مكان إلى آخر، وتتغير من حال إلى أخرى.

77 - (فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ)

قوله: ﴿فلما رءا القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضلين﴾ بزغت من البزوغ وهو الطلوع - أي لما رأى إبراهيم الكوكب مبتدأ في الطلوع ﴿قال هذا ربي﴾ وذلك كالحال الأولى، إذ ظن أن الكوكب ربه ﴿فلما أفل﴾ أي غاب كما غاب الكوكب ﴿قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضلين﴾ يعني لئن لم يوفقني ربي في إصابة الحق والهداية ويثبتني عليهما لأكونن من التائهين المضيعين - وفي ذلك تنبيه منه لقومه إلى أن القمر كالكوكب لا يصلح أحدهما للألوهية وأن من اتخذهما إلها فإنه ضال.

78 - (فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ)

قوله: ﴿فلما رءا الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني برئ مما تشركون﴾ بازغة منصوب على الحال، لأن الرؤية بصرية - والبزوغ معناه الطلوع - فقد رأى إبراهيم الشمس يطلع ضوؤها وأدرك أنها أكبر الكواكب والقمر، فظن من أجل ذلك أنها ربه - لكنها بعد ذلك ما لبتث تأخذ في الأفول عن الأفق حتى أيقن إبراهيم صادحا الكريمة المميزة، للناس ببراءته من الشرك كله.

79 - (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ)

قوله: ﴿إني وجهت وجهي للذي فطر السموت والأرض حنيفا وما أنا من المشركين﴾ أي وجهت عبادتي وطاعتي وتوحيدي لله وحده - وذكر الوجه نيابة عن الكيان الإنساني كله، وذلك لشرفه، ولأنه أظهر ما في الإنسان - فقد أعلن إبراهيم عن توجه كيانه الشخصي كله، قلبه وروحه وعقله وبدنه كله - مطيعا ممتثلا خاضعا لله الذي ﴿فطر السموات والأرض﴾ أي أوجد وأنشأ السموات بطباقها الواسعة الغائرة في مجاهل هذا الكون، وكذلك بأجرامها الهائلة المبثوثة المذهلة لهول كثرتها وضخامتها وتناثرها - وكذلك أوجد وأنشأ الأرض بما فيها من أصنام يعبدها المشركون الضالون سفها وحماقة.

التفسير الشامل للقران الكريم · الصفحة ٧٦٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

التفسير الشامل للقران الكريمص ٧٦٤