تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قوله: ﴿ولقد جاءك من نبإى المرسلين﴾ أي جاءك من أنباء من سبقك من المرسلين وأنباء أممهم وما صنع الله بهم حين جحدوا وتمادوا في الغي والضلال فحاق بهم البلاء والتدمير، ونجى الله رسله الكرام وأيدهم بنصره المبين، فاقتد أنت بهم في صبرهم على الأذى من قومهم يكن الله معك ويجعل العاقبة لك، وللمتقين الصابرين.

35 - (وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ)

قوله: ﴿وإن كان كبرعليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بئاية﴾ يعني إن كان قد عظم عليك يا محمد إعراض هؤلاء المشركين عنك وانصرافهم عن الإيمان بك وعن تصديقك فيما جئتهم به من الحق فشق ذلك عليك ولم تصبر على ما أصابك من أذاهم فافعل ما بدا لك - فإن استطعت أن تتخذ ﴿نفقا﴾ 43 أي سربا مثل نافقاء اليربوع فتذهب فيه أو تتخذ ﴿سلما﴾ أي مصعدا كالدرج تصعد فيه ثم تأتيهم بعد ذلك بآية أو برهان على صحة دعوتك أفضل مما أتيناك به من الدلائل فافعل.

قوله: ﴿ولو شاء الله لجمعهم على الهدى﴾ أي لو شاء الله أن يجمعهم على ما أنتم عليه من محجة الإسلام فتكونوا جميعا على ملة واحدة لفعل ذلك - وذلك بأن يوفقهم للإيمان فيؤمنوا معكم - لكن الله لم يشأ ذلك لسوء ما اختاره هؤلاء لأنفسهم حسبما علمه الله منهم في أزل الآزال - أو لسابق علمه بأن هؤلاء كائنون من الكافرين اختيارا وليس إجبارا ويرومون ما هو خلافها.

وقيل: لا ينبغي أن يشتد تحسرك على تكذيب هؤلاء المشركين الظالمين - وما ينبغي لك أن تجزع من إعراضهم عن دين الله، فإن شدة الأسى والجزع وفرط الإحساس بالضيق، من صفات الجاهلين - ولا جرم أن يكون مثل هذا الأسلوب من التحذير والتنذير ما يحمل للذهن - بالقطع الجازم أن هذا القرآن من عند الله - وهذه واحدة من ظواهر شتى فريدة تزجي للعاملين بالدليل الكامل على أن القرآن معجز - فإنه ما من عاقل أو كائن أوتي مسكة من عقل يصدق أن عظيما فذا مميزا كمحمد ينذر نفسه بنفسه أو يكله نفسه ثقل التحذير والتنذير.

36 - (إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ)

قوله: ﴿إنما يستجيب الذين يسمعون﴾ المراد بالسماع هنا سماع التفهم والإصغاء والتدبر وابتغاء الحق والصواب وبذلك لا يستجيب لنداء الحق أو داعي الإسلام إلا من سمع سماع فهم وتدبر وادكار من أولي الفطرة السوية السليمة - الذين يستقبلون النداء الكريم ودعوة الحق أحسن استقبال من الرضى والقناعة والشرح الذي يعمر الصدر.

قوله: ﴿والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون﴾ المراد بالموتى الذين لا يسمعون نداء ولا يعقلون دعاء ولا يفقهون قولا إلا كما تفقه الأنعام من أصوات الرعاة - إن هؤلاء المشركين الظالمين الذين ختم الله على قلوبهم وطبع على أبصارهم ليسوا على استعداد ولا تهيئة لاستقبال الإسلام بمعانيه الرائعة وقيمه الكريمة الفضلى وتشريعه الشامل المتكامل - هذا الصنف من البشر قد تعطلت فيه أجهزة الفطرة التي فطر الله الناس عليها - فما عاد ليستمرئ بعد ذلك غير الهوى وكل صور الباطل والانحراف عن سبيل الله المستقيم - وعلى هذا فالموتى هم الكفرة، لأنهم بمنزلتهم في أنهم لا يقبلون حجة ولا يستمعون إلى صواب ولا يستسيغون غير الباطل والاعوجاج.

التفسير الشامل للقران الكريم · الصفحة ٧٤٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

التفسير الشامل للقران الكريمص ٧٤٣