واختلفوا في تعيين المراد بذلك - فقد قيل: المراد المنافقون - وقيل: المراد الكفار وكانوا إذا وعظهم النبي صلى الله عليه وسلم خافوا وأخفوا ذلك الخوف في أنفسهم لئلا يفطن بهم ضعفاؤهم، فيظهر الله ذلك يوم القيامة.
قوله: ﴿ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكذبون﴾ أي لو ردوا إلى الدنيا فأمهلوا لصاروا ورجعوا إلى ما كانوا يعملونه من إشراك بالله وجحود لآياته وفعل السيئات والمنكرات - لسوف يعودون لمثل ذلك كله حتى وإن عاينوا العذاب معاينة - فقد عاين إبليس ما عاين من آيات ورأى من الدلائل الظاهرة ما رأى لكنه طغى واستكبر وفسق عن أمر ربه - والله تعالى يعلم أنهم كاذبون فيما أخبروا به عن أنفسهم من أنهم لا يكذبون ويكونون من المصدقين.
29 - (وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ)
قوله: ﴿وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين﴾ إن، أداة نفي ﴿هي﴾ في محل رفع مبتدأ - حياتنا، خبر هي 35.
هذا إخبار من الله تعالى عن مقالة هؤلاء المشركين الضالين إذ قالوا: ﴿إن هي إلا حياتنا وما نحن بمبعوثين﴾ نحن اسم ما - بمبعوثين خبرها - لقد أنكر هؤلاء الظالمون البعث بعد الموت وكذبوا أن الله يحيى الخلائق بعد مماتها وأعلنوا في اجتراء فاجر كنود أنه لا حياة بعد الموت ولا نشور بعد الفناء - بمثل هذه المقالة الظالمة الفاجرة يهذي المشركون والملحدون والكفرة في كل زمان - أولئك الذين تعطلت فيهم العقول وفسدت فيهم الفطرة فسادا أركسهم إلى الحضيض من العماية والانفتال والتمسيخ.
30 - (وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ)
قوله: ﴿ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا﴾ وقفوا أي حبسوا - يقول الله لرسوله صلى الله عليه وسلم: لو ترى يا محمد ما سوف ينزل بهؤلاء المكذبين من الهول المفظع، إذ يحبسون على ربهم ينتظرونه أن يقضي فيهم - لا جرم أنه موقف رعيب ومزلزل لا تطيقه العزائم وتهبط دونه الهمم والقدرات - وإذ ذاك يخاطب الله هؤلاء الظالمين سائلا إياهم في تقرير وتوبيخ ﴿أليس هذا بالحق﴾ أليس هذا البعث الذي كنتم تكذبونه والذي عاينتموه الآن بعد مماتكم حقا؟ فأجابوا مقرين مذعنين مؤكدين اعترافهم بالقسم فقالوا: ﴿بلى وربنا﴾ قوله: ﴿قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون﴾ أي ذوقوا مس العذاب بكفركم وتكذيبكم بالبعث وبالعذاب الذي لاقيتموه الآن 36.