قوله: ﴿وأنذر به الذين يخفون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع﴾ يعني أنذر بالقرآن يا محمد أولئك الذين يخافون يوم القيامة حيث الحشر بأهواله وويلاته - وهؤلاء هم المؤمنون المصدقون بوعد الله ووعيده، العاملون بما يرضي الله، السائرون في ضوء ما أنزله إليهم من عقيدة وتشريع، المشفقون من عقابه يوم الزحام - وإذ ذاك ليس لهم من دون الله من ناصر ولا قريب ولا حليف ولا متشفع لهم من العذاب، حيث الحشر بأهواله وويلاته.
قوله: ﴿لعلهم يتقون﴾ أي يتقون الله في أنفسهم فيبادروا بطاعة ربهم والعمل لمعادهم فيجتنبوا معاصيه ويحذروا نواهيه.
52 - (وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ)
قوله: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغدوة والعشي يريدون وجهه﴾ في سبب نزول هذه الآية أخرج مسلم عم المقدام بن شريح عن أبيه عن سعد قال: نزلت هذه الآية فينا ستة - في وفي ابن مسعود وصهيب وعمار والمقداد وبلال - قالت قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا لا نرضى أن نكون أتباعا لهؤلاء فاطردهم، فدخل قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك ما شاء الله أن يدخل - فأنزل الله تعالى هذه الآية 58.
وروى ابن مسعود قال: مر الملأ من قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده خباب بن الأرث وصهيب وبلال وعمار، قالوا: يا محمد رضيت بهؤلاء؟ أتريد أن نكون تبعا لهؤلاء؟ فأنزل الله تعالى: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم﴾ 59 وجملة القول أن هذه الآية في سبب جماعة من ضعفة المسلمين، قال المشركون لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لو طردت هؤلاء عنك لغشيناك وحضرنا مجلسك.
قوله: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغدة والعشي يريدون وجهه﴾ المراد بالدعاء هنا، الذكر أي أنهم يذكرون الله طرفي النهار.
وقيل: المراد صلاة الصبح وصلاة العصر، إذ يؤدونهما بالغداة والعشي.
وقيل: المراد به، الصلوات المكتوبة الخمس - لأن ذكره للغداة والعشي ينبه على أنهم مواظبون على الصلوات الخمس.
أما الغداة، فهي أول النهار - أو ما بين صلاة الفجر وطلوع الشمس 60 والعشي، ما بين زوال الشمس وغروبها، وصلاتا العشي هما الظهر والعصر 61.
قوله: ﴿يريدون وجهه﴾ في موضع نصب على الحال من ضمير ﴿يدعون﴾ والمراد بوجه الله، ذاته الكريمة - ومعنى إرادة الذات الإخلاص لها - أي أن هؤلاء المؤمنين المتقين يدعون ربهم مخلصين له سبحانه - فهم يخلصون في عبادتهم وأعمالهم لله ويتوجهون بذلك كله إليه وحده دون أحد غيره.
قوله: ﴿ما عليك من حسبهم من شيء وما حسبك عليهم من شيء﴾ من، الأولى للتبعيض - ومن، الثانية زائدة للتوكيد - وشيء في موضع رفع، لأنه اسم ﴿ما﴾ 62 وهذا الكلام معترض بين النهي عن الطرد وجوابه - والمعنى، أنه ليس عليك من حسابهم، أي جزائهم ورزقهم من شيء إنما جزاؤهم ورزقهم على الله - وكذلك ليس عليهم من حسابك، أي من جزائك ورزقك من شيء - إنما جزاؤك ورزقك على الله وليس على أحد غيره - وإذا كان الأمر كذلك فجالس هؤلاء المتقين الفقراء وحادثهم ولا تطردهم مراعاة للظالمين المعتسفين.
قوله: ﴿فتطردهم فتكون من الظلمين﴾ فتطردهم منصوب بالفاء في جواب النفي - فتكون - منصوب بالفاء في جواب النهي - والتقدير: ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه فتكون من الظالمين وما عليك من حسابهم من شيء فتطردهم 63.