تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

سورة مريم:

بيان إجمالي للسورة

هذه السورة مكية وآياتها ثمان وتسعون آية - ويأتي جلها في تبيان الأخبار عن خير نساء الدنيا، المرأة الطاهرة الفضلى، العذراء البتول مريم ابنة عمران عليها السلام - هذه المرأة المميزة بشرفها وطهرها وتبتلها وإخلاصها؛ لهي ذات قصة مثيرة تنتزع العجب وتستنفر اليقين بعظيم قدرة الله وبالغ مشيئته وسلطانه؛ إذ أوحى إليها روحه مبشرا إياها بغلام تلده دون نكاح أو مسيس - فكان الحدثٌ الهائل الأجلُ في ولادة النبي المكرم المفضال، عيسى المسيح، نفخة من روح الله وكلمته ألقاها إلى أمه مريم.

لقد كانت هذه واحدة من كبرى المعجزات الكونية الهائلة التي أجراها الله في خلقه لتكون على الدوام دليلا على طهر البتول وعلى صدق ولدها المعظم؛ إذ بعثه الله نبيا هاديا لبني إسرائيل.

قال القرطبي في هذا الصدد: لما كانت وقعة بدر وقتل الله فيها صناديد الكفار، قال كفار قريش: إن ثأركم بأرض الحبشة؛ فاهدوا إلى النجاشي؛ وابعثوا إليه رجلين من ذوي رأيكم لعله يعطيكم من عنده من قريش فتقتلوهم بمن قتل منكم ببدر - فبعث كفار قريش عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة فسمع رسول الله (ص) ببعثهما، فبعث رسول الله (ص) عمرو ابن أمية الضمري وكتب معه إلى النجاشي، فقدم على النجاشي فقرأ كتاب رسول الله (ص)، ثم دعا جعفر بن أبي طالب والمهاجرين وأرسل إلى الرهبان والقسيسين فجمعهم ثم أمر جعفر أن يقرأ عليهم القرآن فقرأ سورة مريم - وقاموا تفيض أعينهم من الدمع - فهم الذين أنزل الله تعالى فيهم (ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون) - وفي السيرة: قال النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله شيء - فقرأ جعفر (كهيعص) فبكى النجاشي حتى أحضل 1 لحيته وبكت أساقفهم حتى أخضلوا لحاهم حين سمعوا ما يتلى عليهم، فقال النجاشي: إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة، انطلقا فوالله لا أسلمهم إليكما أبدا 2.

1 - (كهيعص)

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿كهيعص (1) ذكر رحمة ربك عبده زكريا (2) إذ نادى ربه نداه خفيا (3) قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا (4) وإني خفت المولى من وراءك وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا (5) يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا (6) يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا (7)﴾.

تقدم الكلام عن مثل هذه الحروف من فواتح بعض السور.

2 - (ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا)

قوله: ﴿ذكر رحمة ربك عبده زكريا﴾ (ذكر) مرفوع على أنه مبتدأ وخبره محذوف، وتقديره: فيما يتلى عليكم ذكر رحمة ربك - وقيل: خبر لمبتدأ محذوف وتقديره: هذا ذكر رحمة ربك - وقيل: المبتدأ (كهيعص) و (ذكر) خبره - و (عبده) منصوب بالمصدر المضاف (رحمة ربك عبده) و (زكريا) منصوب على البدل من (عبده) 3.

والصواب - كما اختاره الإمام الطبري - أن يكون الذكر مرفوعا بمضمر محذوف وهو هذا - فتأويل الكلام: هذا ذكر رحمة ربك عبده زكريا.

3 - (إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا)

قوله: ﴿إذ نادى ربه نداء خفيا﴾ (إذ) في موضع نصب على الظرف لتعلقه بقوله: (ذكر) و (نادى) من النداء وهو هنا الدعاء في خشوع وتذلل - والنداء الخفي معناه الدعاء في خفية واستسرار؛ فقد ناجى زكريا ربه في محرابه مناجاة العبد المطيع المتخشع الراغب في الذرية - وكان دعاؤه في خفية وسر كيلا يلام على طلب الولد في أوان الكبر فيسخر منه الساخرون.

التفسير الشامل للقران الكريم · الصفحة ١٤٥٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

التفسير الشامل للقران الكريمص ١٤٥٤