قوله: ﴿وجعل الظلمت والنور﴾ معطوف على ﴿خلق السموت﴾ وهو من جملة الإشعار بعلة الحمد - والظلمات مفعولة لقوله: ﴿وجعل﴾ وهو يتعدى إلى مفعول واحد، بمعنى خلق 2 - والجعل هنا بمعنى الخلق - وقد اختلفوا في معنى الظلمات والنور - فقد قيل: المراد بالظلمات سواد الليل - وبالنور ضياء النهار - وهو قول أكثر المفسرين - وقيل: معناه: الكفر والإيمان - وقيل: الضلال والهدى - والصحيح أن اللفظ يعم ذلك كله - وقد أفرد النور لشرفه - فهو واحد لا يتعدد، لأنه الحق - وجمع الظلمات وهي كثيرة وذلك كقوله: ﴿وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله﴾.
قوله: ﴿ثم الذين كفروا بربهم يعدلون﴾ يعدلون، أي يشركون به غيره - من العدل وهو التسوية - عدل الشيء بالشيء إذا ساواه به - أي يعدلون به ما لا يقدر على شيء منه - فقد جعلوا لله عدلا وشريكا وهو سبحانه الذي خلق الأشياء كلها وقيل: يعدلون، من العدل وهو العدول - أي الانصراف عن الإيمان بالله وحده - وقوله ﴿ثم﴾ في أول الآية، تفيد الاستبعاد - أي استبعاد عدولهم عن الإيمان بالله وعن طاعته وحده بعد وضوح الدلائل على كمال قدرته - أو استبعاد أن يعدلوا بالله غيره من المخاليق الذين اتخذوهم شركاء مع الله.
وقيل: ﴿ثم﴾، هنا تفيد التوبيخ والتقبيح لهؤلاء الكافرين الضالين الذين يجعلون لله شريكا وهو الذي خلق كل شيء - فإنه بعد أن تبين لكل ذي لب وبصيرة أن الله خالق الأشياء جميعا، وأن نعمه على الكون لا تحصى عددا - فإنه مع ذلك كله يتخذ الظالمون المشركون عدلا يعبدونه من دون الله.
2 - (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ)
قوله تعالى: ﴿هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده ثم أنتم تمترون (2) وهو الله في السموت وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون﴾ خلق الله الناس من طين - والمراد أصلهم وهو آدم عليه السلام، والناس كلهم من نسله والفرع يضاف إلى أصله - وسمي آدم لأنه خلق من أديم الأرض وهو ما يلي وجهها 3.
قوله: ﴿ثم قضى أجلا﴾ أي ما بين أن يخلق إلى أن يموت - وقيل: معناه الموت.
وقوله: ﴿وأجل مسمى عنده﴾ أجل، مبتدأ مرفوع - مسمى، صفته - وعنده، خبر المبتدأ - وهو ما بين موته إلى أن يبعث وهو البرزخ - وقيل المراد بذلك الآخرة - وقيل في تأويل الأجلين غير ذلك.
قوله: ﴿ثم أنتم تمترون﴾ من المرية والامتراء وهو الشك - أي أنكم تشكون وتجادلون في الله بالرغم مما ظهر لكم من الدلائل الساطعة البلجة على قدرة الله وكماله وأنه الموجد المبدع لكل الخلائق.
3 - (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ)
قوله: ﴿وهو الله في السموت وفي الأرض﴾ الله ضمير الشأن، مبتدأ، وخبره ﴿في السموت﴾ 4 أي أن الله هو المعبود والمعظم والمتصرف في السموات وفي الأرض - وقيل: هو المدعو الله في السموات وفي الأرض - أي يعبده ويوحده ويقر له بالألوهية من في السموات ومن في الأرض ويسمونه الله - فيكون نظير هذه الآية هو قوله تعالى: ﴿وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله﴾ أي هو الله في السماء وهو الله في الأرض.
قوله: ﴿يعلم سركم وجهركم﴾ أي أن الله عليم بما أسررتموه وما جهرتم به من الأقوال والأفعال - فكل شيء عنده، ما من خبر أو حقيقة أو علم إلا هو مكشوف وظاهر بين يدي الله بل يستوي عند الله ما كان خافيا وما كان ظاهرا.