سورة هود:
بيان إجمالي للسورة
هذه السورة مكية - وهي حافلة بأخبار الأولين من الرسل الذين بعثهم الله إلى أممهم فما آمن منهم إلا قليل - وأبي أكثرهم إلا الضلال والعصيان والتكذيب - فأذوا رسالات الله؛ فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر - لقد أخذهم بشديد الوبال، والعقاب الوجيع البئيس، ما بين طوفان جارف غامر اصطلم المشركين جميعا فامحت أعيانهم البتة - أو ريح صرصر عاتية تدمر كل شيء، أو صيحة قارعة رعيبة تتقطع منها القلوب، وتتبد منها الأجساد تبديدا، إلى غير ذلك من ضروب العقاب الذي أنزله بساحة العصاة والمجرمين الذين شاقوا الله ورسوله وحالوا بين منهج الله والناس.
إن هذه الأخبار في ذاتها مخوفة مؤثرة وغاية التأثير، فلا يمر بها القارئ أو السامع المتدبر حتى تفجأه أحداثها ووقائعها وما آلت إليه من وخيم العواقب، فيكف إذا كانت هاتيك الأخبار التي والوقائع قد تحدث بها القرآن بسوره العظيمة وآياته المؤثرة العجاب، وعباراته التي تتزاحم فيها المعاني تزاحما؟! وكذلك كلماته ذات الإيقاع المفزع، والنعم الباهر الخلاب؟! فلا جرم أن تكون هذه السورة في مبلغ تأثيرها وعجيب إيقاعها وزاخر معانيها المختلفة وشدة روعتها المفزعة التي تأخذ القلوب - باللغة الشأن، مهيبة القدر والجلال.
تلك هي سورة هود التي وقعت في قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم كل موقع حتى شاب منها شعره - وفي هذا أخرج الترمذي بإسناده عن ان عباس قال: قال أبو بكر: يا رسول الله قد شبت - قال: (شيبتني هود، والواقعة، والمرسلات، وعم يتساءلون، وإذ الشمس كورت) وفي رواية: (هود وأخواتها).
روي الطبري عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (شيبتني هود وأخواتها: الواقعة، والحاقة، وإذا الشمس كورت).
1 - (الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ)
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿الر كتاب أحكم آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير 1 ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير 2 وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير 3 إلى الله مرجعكم وهو على كل شيء قدير﴾.
﴿الر﴾، مبتدأ - خبره ﴿كتاب﴾ وقوله: ﴿أحكم آياته﴾ صفة للكتاب 1 والمعنى: أنها نظمت مظما رصيفا 2 ليس فيه نقص ولا ضعف ولا خلل - وقال ابن عباس: أي لم ينسخها كتاب بخلاف التوراة الإنجيل - وعلى هذا الوجه لا يكون كل كتاب محكما؛ لأنه قد حصل فيه آيات منسوخة، لكنه لما كان الغالب محكما غير منسوخ صح إطلاق هذا الوصف (الإحكام) عليه؛ لأن الحكم الثابت فيما هو غالب يجري مجرى الثابت في الكل.
قوله: ﴿ثم فصلت من لدن حكيم خبير﴾ ﴿فصلت﴾ بمعنى فسرت؛ أي بين حلالها وحرامها، وأمرها ونهيها، ووعدها ووعيدها، وثوابها وعقابها - وذلك كله ﴿من لدن حكيم خبير﴾ حكيم في تدبيره وتقديره وأقواله وأفعاله، خبير بعواقب الأمور وبما ينفع الناس أو يضرهم.
2 - (أَلَّا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ)
﴿ألا تعبدوا إلا الله﴾ أي جاء هذا القرآن محكما مفضلا بأن تعبدوا إلا الله وحده لا شريك له وتخلعوا كل ما عداه من آلهة وأنداد ﴿إنني لكم منه نذير وبشير﴾ إنني مكلف من ربي بأن أنذركم وأحذركم شديد عقابه على الجحود والعصيان، وبأن أبشر المؤمنين الطائعين منكم بالجنة والرضوان وجزيل الثواب.