سورة غافر:
بيان إجمالي للسورة
هذه السورة مكية، وهي في جلال شأنها وعظيم قدرها، فياضة بالمعاني والأخبار والعبر، حافلة بألوان الترهيب والتحذير والتذكير مما فيه موعظة بالغة ومزدَجَر - ويأتي في طليعة ذلك كله بيان كريم بصفة الله جل وعلا على أنه ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُو﴾.
وفي السورة إخبار عن الأمم السابقة الذين نكلوا عن دين الله، وآذوا النبيين الذين أرسلوا إليهم وهمّوا بقتلهم.
وفي السورة تذكير بأهوال يوم القيامة، يوم التلاق؛ إذ تتلاقى الخلائق في يوم عصيب بئيس، فظيع الكرب، شديد الزحام؛ إذ الناس فيه مضطربون وجلون مذعورون.
وتتضمن السورة إنباءً عن قصة فرعون وظلمه وطغيانه وتجبره وفساده في الأرض - إن ذلكم شقي أثيم أسرف في الكفر والعتو وهَمَّ بقتل موسى عليه السلام لولا أن تجرجر ذلك الطاغوت خاسئا مدحورا غريقا وقومه المجرمون في البحر.
وفي السورة لون من ألوان التخاصم والتلاوم في النار بين الكبراء المضلين والأتباع الضالين - وثمة إعلان رباني داوٍ بأن الله ينصر رسله والذين آمنوا معهم في هذه الحياة ويوم يقوم الأشهاد.
وفيها تحضيض كريم من الله على الدعاء - لا جرم أن الدعاء ضرب عظيم من ضروب العبادة التي تكشف عن شديد الإخلاص لله وصادق الإنابة إليه.
إلى غير ذلك من البراهين والعبر وألوان الإنذار والترهيب والتخويف والذكر ما فيه موعظة لكل متدبِّر مدَّكر.
1 - (حم)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: ﴿حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (2) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (3) مَا يُجَادِلُ فِي آَيَاتِ اللَّهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ﴾.
﴿حم﴾، من فواتح السور - وهي وأمثالها من المتشابه الذي استأثر الله بعلم ما يراد بها.
2 - (تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ)
قوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ﴾ أي أن القرآن منزَّل من عند الله، فهو ليس من صنع بشر ولا يقدر أن يعارضه إنس ولا جن - و ﴿الْعَزِيزِ﴾ معناه القوي القاهر الذي لا يغلبه أحد
وهو العليم الذي لا يخفى عليه شيء، فقد أحاط بكل شيء علما.
3 - (غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ)
قوله: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ ﴿غافر﴾ ﴿وقابل﴾ و ﴿شديد﴾: نُعوت للفظ الجلالة - وقيل: مجرورة على البدل 1 و ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ﴾: أي لمن قال لا إله إلا الله - أو يستره على أوليائه - و ﴿وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾: أي من الشرك والمعاصي - و ﴿الثّوب﴾: مصدر بمعنى التوبة من تاب يتوب توبة وتوبا - وقيل: جمع توبة ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ لمن لم يقل لا إله إلا الله، أو للعصاة غير التائبين.
قوله: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ أي ذي النعم - واصل الطول: الإنعام والتفضّل - وقيل: المن.
قوله: ﴿لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ الله وحده المعبود، لا شريك له - إليه تصير الأمور كلها فإليه يرجع المآب.