43 - (فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)
قوله: ﴿فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا﴾ لولا، أداة تحضيض بمعنى هلا - وهذا إخبار عنهم أنهم لم يتضرعوا حين نزول العذاب بهم - وتأويل الكلام: هلا إذ جاء العذاب هذه الأمم المكذبة المدبرة عن دعوة الحق، تضرعوا فاستكانوا لربهم وتوجهوا إليه وحده دون غيره غيره من الأرباب والأنداد فيصرف الله عنهم العذاب - لكنهم أقاموا على التكذيب والإعراض معاندين فأصروا على ذلك واستكبروا مستهينين مستخفين عقاب، ولذلك قال: ﴿ولكن قست قلوبهم﴾ أي صلبت وغلظت فأصرت على الكفران والمعصية.
قوله: ﴿وزين لهم الشيطن ما كانوا يعملون﴾ التزيين من الشيطان معناه إيجاد الشيء حسنا مزينا في نفس الأمر - أو جعله محبوبا مشتهى لنفس الإنسان وطبعه - وقيل: أغواهم الشيطان بالمعاصي وحملهم على فعلها وسبيل ذلك الوسوسة والإيحاء.
44 - (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ)
قوله: ﴿فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبوب كل شيء﴾ نسوا بمعنى تركوا - أي تركوا ما ذكروا به مما دعاهم إليه رسل الله فلم يتعظوا ولم يصدقوا بل انهمكوا في المعاصي والآثام وفعل المنكرات - ولم يعبأوا بما نزل بهم من البأساء والضراء - وعقيب ذلك فتح الله عليهم أبواب كل شيء من النعم الكثيرة كالرخاء والرغد والسعة على سبل الاستدراج للظالمين الغافلين السادرين في الغي والظلم والشهوات - وذلك وجه من وجوه الفتنة الكبيرة التي تنشد إليها قلوب الكثير من البشر ممن تستهويهم المغريات والشهوات، وتستذلهم مطامع الدنيا الكثيرة فيهبطون منتكسين في ذلة وخور - حتى كانوا ضالعين في الإعراض والغواية والملذات أتاهم العذاب من حيث لم يحتسبوا.
قوله: ﴿حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذنهم بغتة فإذا هم مبلسون﴾ أي فرحوا بطرا، وظنوا أن ما أتوه من الخير والعطاء الجزيل لا يغني ولا يبيد وأنه كان باستحقاقهم - عندئذ على غرة ومن غير أمارة أو قرينة مقدمة - ولا يخفى أن الإهلاك وإنزال النقمة على حين غفلة أو غرة من الظالمين لهو أشد نكاية وإيلاما - فضلا عن كون ذلك جائيا بعد رخاء وسعة من العيش الراغد.
قوله: ﴿فإذا هم مبلسون﴾ من البلس، بالتحريك: من لا خير فيه - والإبلاس وهو الإنكار والحزن واليأس - وأبلس بمعنى يئس وتحير ومنه إبليس - والملبس، الذي انقطع رجاؤه - والمبلسون، الآيسون من كل خير 51.
45 - (فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)
قوله: ﴿فقطع دابر القوم الذين ظلموا﴾ الدابر، معناه الآخر - دبر القوم دبرا او دبورا إذا كان آخرهم - والمراد بقطعهم هانا استئصالهم عن آخرهم فلم تبق لهم باقية - والمراد أنهم استؤصلوا وأهلكوا.
قوله: ﴿والحمد لله رب العلمين﴾ ذلك ثناء من الله على نفسه الكريمة لإفناء هؤلاء الأشرار المفسدين الأشرار المفسدين الذين آذوا النبيين والمرسلين والمصلحين ودوخوا العباد بمكرهم وكيدهم وعاثوا في البلاد فسادا وتخريبا - فكان في القضاء عليهم واستئصالهم نعمة من الله على الناس، إذ تخلصوا من شؤم عقائد الظالمين وفساد طبائعهم الحافلة بالخبث - فالله بذلك حقيق بالحمد والثناء، بل حقيق أن يحمده الناس ويبالغوا في الثناء عليه باستئصاله للشر والأشرار 52.