تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإن كان المراد بالآية ما ذكرناه من التأويل الأول من هذين التأويلين، وأنه على أن يكون من أوجب على نفسه أن يحج فيهن، كان ذلك الإيجاب فيهن أو قبلهن، ثبت بذلك أن للناس جميعا أن يحرموا بالحج في أشهر الحج وفيما قبلهن، ثم لا يكون الحج الذي يوجبونه إلا في الوقت الذي يقضى فيه الحج من شهور الحج وإن كان المراد بالآية ما ذكرنا من التأويل الثاني، وأنه على أن يكون إيجاب الحج وقضاء الحج فيهن، لم يكن ذلك مانعا من الإحرام به قبلهن، لأنا قد وجدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جعل للإحرام بالحج مواقيت معلومات ذكرها وسماها، وسمى أهلها والمارين

بها من غير أهلها وروي عنه في ذلك ما:

1134 - قد حدثنا يونس، والربيع بن سليمان المرادي، قالا: حدثنا يحيى بن حسان، قال: حدثنا وهيب بن خالد، وحماد بن زيد، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرنا، ولأهل اليمن يلملم، ثم قال: " هي لهم ولكل آت أتى عليهن من غيرهن، فمن كان أهله دون الميقات، فمن حيث ينشئ حتى يأتي ذلك على أهل مكة "

1135 - وما قد حدثنا علي بن معبد، قال: حدثنا كثير بن هشام، قال: حدثنا جعفر بن برقان، قال: سألت عمرو بن دينار عن امرأة حاجة مرت بالمدينة، فأتت ذا الحليفة وهي حائض، فقال لها: يجزيها لو تقدمت إلى الجحفة فأحرمت منها فقال عمرو حدثنا طاوس، ولا يحسبن فينا أحد أصدق من طاوس، قال: قال ابن عباس: وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر مثله، غير قوله: " فمن كان أهله "، إلى آخر الحديث، فإنه لم يذكر ذلك

1136 - وما قد حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: حدثنا وهيب بن جرير، قال: حدثنا شعبة، عن عبد الله بن دينار، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، "

أنه وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرنا، ولأهل اليمن يلملم "

1137 - وما قد حدثنا علي بن شيبة، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا سفيان، عن عبد الله بن دينار، قال: سمعت ابن عمر، يقول: وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر مثله، ولم يذكر في إسناده نافعا فلم يكن توقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس هذه المواقيت مانعا لهم من الإحرام بالحج قبلها، لأن من أحرم بالحج في أشهر الحج قبل هذه المواقيت أو بعدها لزمه الحج باتفاقهم جميعا، لا اختلاف بينهم فيه علمناه وإن كان المقصود إليه بتوقيتها هو أن يكون الإحرام منها غير متقدم لها ولا متأخر عنها، فلما كانت المواقيت التي ذكرنا للإحرام لا يمنع من الإحرام بالحج قبلها ولا بعدها، وإن كان الذي أحرم به بعدها مسيئا، كان الأوقات أيضا للإحرام لا يمنع من الإحرام بالحج قبلها فقال قائل: فقد روي عن جابر، أنه سئل: أيحرم الرجل بالحج في غير أشهر الحج؟ قال: لا ولم نجد في ذلك عن أحد من الصحابة ما يخالفه قيل له: لكنا قد وجدنا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ما يدل على خلاف ما

قال جابر في هذا

1138 - حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: حدثنا وهب بن جرير، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة المرادي، قال: قال رجل لعلي رضي الله عنه: قوله: " ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ ؟ قال: تحرم من دويرة أهلك " فهذا علي رضي الله عنه قد قال هذا القول جوابا لقائله عن تأويل الآية التي سأله عن تأويلها، وأخبره أن الإتمام للحج والعمرة المذكور فيهما من حيث ينشئهما الذي يريدهما وقد كان هذا الجواب منه، وللمسلمين بلدان مسافة ما بينها وبين مكة أكثر من

مدة شهور الحج، ومعلوم أن المحرم بالحج منها الذي يوافي مكة في إحرامه بالحج منها لم يكن إحرامه ذلك إلا قبل شهور الحج بمدة طويلة، وعلي رضي الله عنه فجمع الناس جميعا في جوابه الذي حكيناه عنه، ولم يفرق بين بعيد الدار منهم من مكة، ولا بين قريب الدار منهم منها، فدل ذلك على إطلاقه للناس الإحرام بالحج قبل أشهر الحج، وكان ذلك عندنا أولى من قول جابر الذي ذكرنا، لأن عليا أخبر أن ذلك تأويل آية أخرى من كتاب الله عز وجل، ولم يرو عن جابر، ولا عمن سواه وسوى علي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في تأويل تلك الآية غير أن الذي رويناه عن علي تأويلها، وجابر فإنما روي لنا عنه في ذلك قوله من رأيه وكان القياس على ما قال علي من ذلك أدل لما قد ذكرناه من المواقيت فيما

أحكام القرآن الكريم · الجزء ٢ · الصفحة ٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أحكام القرآن الكريمج ٢ · ص ٦