تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد تكلم ابن القيم رحمه الله تعالى في اعلام الموقعين (3/65-66) عن هذا المانع وقرر أن انتفاء القصد مانع من موانع التكفير المعتبرة ، واستدل بقول حمزة رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم : ( هل أنتم إلا أعبد لأبي )(6) قال : ( وكان نشواناً في الخمر ، فلم يكفره صلى الله عليه وسلم بذلك ، وكذلك الصحابي الذي قرأ قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون ، ونحن نعبد ما تعبدون ) وكان ذلك قبل تحريم الخمر (7) . ولم يعد بذلك كافراً لعدم القصد ، وجريان اللفظ على اللسان من غير إرادة لمعناه .

فإياك أن تهمل قصد المتكلم ونيته وعرفه ، فتجني عليه وعلى الشريعة وتنسب إليها ما هي بريئة منه .) أهـ ص66

وقال أيضاً فيه (3/117) : ( ولم يرتب ﴿ أي الشارع ﴾ تلك الأحكام على مجرد ما في النفوس من غير دلالة فعل أو قول، ولا على مجرد ألفاظ مع العلم بأن المتكلم بها لم يرد معانيها ولم يحط بها علماً ، بل تجاوز للأمة عما حدثت به أنفسها ، ما لم تعمل به أو تكلم به ، وتجاوز لها عما تكلمت به مخطئة أو ناسية أو مكرهة أو غير عالمة به ، إذا لم تكن مريدة لمعنى ما تكلمت به أو قاصدة إليه ، فإذا اجتمع القصد والدلالة القولية أو الفعلية ترتب الحكم ، هذه قاعدة شرعية وهي من مقتضيات عدل الله وحكمته ورحمته ) أهـ

• فائدة : يمكن أن يستدل لمانع (انتفاء القصد ) أيضاً بما هو ثابت من اغتفار ما صدر عن بعض نساء النبي صلى الله عليه و سلم بحقه بدافع الغيرة ؛ من أقوال لا يجوز لأحد إطلاقها بحقه صلى الله عليه وسلم.

- فمن ذلك ما رواه البخاري في باب ( هل للمرأة أن تهب نفسها لأحد ) من كتاب النكاح ، وفيه أنه لما نزل قوله تعالى (( ترجي من تشاء منهن )) : قالت عائشة : ( يا رسول الله ما أرى ربك إلا يسارع في هواك ) .

قال الحافظ ابن حجر في الفتح: ( أي في رضاك ، قال القرطبي هذا القول أبرزه الدلال والغيرة وهو من نوع قولها : (ما أحمدكما ولا أحمد إلا الله ) وإلا فإضافة الهوى إلى النبي صلى الله عليه وسلم لا تحمل على ظاهره لأنه لا ينطق عن الهوى ولا يفعل بالهوى . ولو قالت إلى مرضاتك لكان أليق ، ولكن الغيرة يغتفر لأجلها إطلاق مثل ذلك ) أهـ .

- ومثله ما رواه أيضاً في كتاب الهبة وفضلها ، باب (من أهدى إلى صاحبه وتحرى بعض نسائه دون بعض ) وفيه قول زينب بنت جحش للنبي صلى الله عليه وسلم : ( إن نساءك ينشدنك الله ، العدل في بنت أبي قحافة …) فليس هذا من جنس الطعن والأذى الذي كان دافعاً لذي الخويصرة لما قال للنبي صلى الله عليه وسلم : ( إعدل ) .

بل الدافع هنا فرط محبة النبي صلى الله عليه وسلم والغيرة التي جبلت عليها النساء .. والشح بحظهن منه .

قال الحافظ : ( طلبت العدل مع علمها بأنه أعدل الناس ولكن غلبت عليها الغيرة ولم يؤاخذها النبي صلى الله عليه وسلم بإطلاق ذلك ) أهـ .

وقد حكى القاضي عياض في الإكمال عن مالك وغيره ، إن المرأة إذا رمت زوجها بالفاحشة ، على جهة الغيرة لا يجب عليها الحد ، قال واحتج بذلك بقوله صلى الله عليه وسلم : ( وما تدري الغيراء أعلى الوادي من أسفله ) أهـ من الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة ص61 .

ويتبع هذا المانع ( إنتفاء القصد ) قول الكفر على سبيل الحكاية عن الغير .

- كمن يقرأ كلام الكفار الذي قصه الله تعالى في كتابه ، وقد أمر الله بتلاوة كتابه ، فلا يكفر قارئ ذلك قطعا بل يؤجر .

- وكنقل الشاهد ما سمعه من كفر للقاضي أو غيره .

- وكنقل مقالات الكفار لبيان ما فيها من الفساد أو للرد عليها ، فكل ذلك جائز أو واجب لا يكفر قائله ، ولهذا يقال : (ناقل الكفر ليس بكافر ) بخلاف من حكاه ونقله على سبيل النشر أو الإشاعة على سبيل الإستحسان والتأييد فهذا كفر لا ريب .

قال القاضي عياض تعليقاً على حديث مسلم في الذي انفلتت منه ناقته وعليها طعامه وشرابه في مهلكة ، ثم لما ردها الله عليه ( أخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح : اللهم أنت عبدي وأنا ربك ، أخطأ من شدة الفرح ) قال : ( فيه أن ما ناله الإنسان من مثل هذا في حال دهشته وذهوله لا يؤاخذ به ، وكذا حكايته عنه على طريق علمي ، وفائدة شرعية ، لا على الهزل والمحاكاة والعبث ، ويدل على ذلك حكاية النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ، ولو كان منكراً ما حكاه والله اعلم)أهـ (9)

وقرائن الحال لها دخل في التفريق والتميز بين هذه الأحوال .

قال القاضي عياض ( أن يقول القائل ذلك حاكياً عن غيره وأثراً له عن سواه ، فهذا ينظر في صورة حكايته مقالته ويختلف الحكم باختلاف ذلك على أربعة وجوه : الوجوب ، والندب ، والكراهة ، والتحريم ) أهـ الشفا(2/997-1003)

المفصل في أحكام الهجرة · الصفحة ٩١٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الهجرةص ٩١٨