تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

(1) نظرية الإسلام السياسية للمودودي: ص 47 وما بعدها، نظرية الإسلام وهديه في السياسة والقانون والدستور له أيضاً: ص 71 وما بعدها.

فدولة الإسلام إذن دولة ذات فكرة ومنهج موضوعي ورسالة دائمة مهمتها نشر العقيدة الإسلامية وتصحيح مفاهيم الناس نحو عالم الغيب وعالم الشهادة بتقديم الحلول السليمة ووضع المناهج السديدة للحياة الاجتماعية والاقتصادية والعمرانية على نمط يحقق الخير والرفاه والسعادة للفرد والجماعة.

تتضح بذلك الغاية السامية للمسلمين أمام الشعوب: وهي أن الإسلام يريد لها النمو والازدهار والمحافظة على كرامتها والإبقاء على خيراتها ومقدراتها بأيدي أهلها الأصليين، على النقيض تماماً مما تفعله دول الاستعمار الحاضرة، إذ أن الرغبة في نشر فكرة الإسلام لا تنشئ شيئاً من الشر الذي تنشئه الرغبة في نشر نفوذ بقصد الاستغلال الذي يسمونه (الاستعمار) (1) ، فالفكرة إذن هي الإسلام، وفكرة الإسلام التي تقوم مقام فكرة الوطن في معناها الطيب لا ينشأ عنها حب استغلال أرض الآخرين، أو طائفة أخرى من الناس.

ثانياً ـ كون غاية الدولة أداء رسالة الإسلام وجوباً اعتقادياً :

37 - إن الغاية الجوهرية للحكم الإسلامي هي أن تقوم الدولة بمختلف أجهزتها بنشر رسالة الإسلام، وحفظ الدين والدفاع عنه، حتى إن الفقهاء صرحوا بأن المقصود بالجهاد ليس قتل الناس أو إكراههم على الدين، وإنما هو الهداية وما سواها من الشهادة بالطريق الحسنى وبالاقتناع الحر (2) .

(1) نحو مجتمع إسلامي للمرحوم الأستاذ سيد قطب: ص 97.

(2) مغني المحتاج: 210/4، بجيرمي المنهج: 227/4.

قال الماوردي وأبو يعلى: إن أول الأمور التي تلزم الإمام هو (حفظ الدين على أصوله المستقرة، وما أجمع عليه سلف الأمة، فإن نجم مبتدع، أو زاغ ذو شبهة عنه، أوضح له الحجة، وبيَّن له الصواب، وأخذه بما يلزمه من الحقوق والحدود ليكون الدين محروساً من خلل، والأمة ممنوعة من زلل) (1) .

وقال الدهلوي: (إن أمهات المقاصد أمور: منها: حفظ الملة بنصب الخطباء والأئمة والوعاظ والمدرسين) (2) .

وقال ابن تيمية: (إن جميع الولايات في الإسلام مقصودها أن يكون الدين كله لله ، وأن تكون كلمة الله هي العليا، فإن الله سبحانه وتعالى إنما خلق الخلق لذلك، وبه أنزل الكتب، وبه أرسل الرسل، وعليه جاهد الرسول والمؤمنون، قال الله تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ [الذاريات:56/51] وقال تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾ [الأنبياء:25/21]. وقال: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾ (:3) [النحل:36/16].

وقال ابن تيمية أيضاً: المقصود الواجب بالولايات: إصلاح دين الخلق الذي متى فاتهم خسروا خسراناً مبيناً، ولم ينفعهم ما نعموا به في الدنيا، وإصلاح ما لا يقوم الدين إلا به من أمر دنياهم، وهو نوعان: قسم المال بين مستحقيه، وعقوبات المعتدين، فمن لم يعتد أصلح له دينه ودنياه، ولهذا كان عمر بن الخطاب يقول: إنما بعثت عمالي إليكم ليعلموكم كتاب ربكم وسنة نبيكم، ويقيموا بينكم دينكم.

__________

(1) الأحكام السلطانية للماوردي: ص 14، ولأبي يعلى: ص 11.

(2) حجة الله البالغة: 132/2.

(3) الحسبة: ص 4، ط المدينة.

فلما تغيرت الرعية من وجه، والرعاة من وجه تناقضت الأمور، فإذا اجتهد الراعي في إصلاح دينهم ودنياهم بحسب الإمكان، كان من أفضل أهل زمانه، وكان من أفضل المجاهدين في سبيل الله ، فقد روي: يوم من إمام عادل أفضل من عبادة ستين سنة (1) .

من ذلك يتبين أن غاية الدولة الإسلامية إصلاح الدين والدنيا وإقامة العدل وإعلاء كلمة الله تعالى ، (أي تطبيق تعاليمه في القرآن والسنة) والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وبهذا تحقق الحكومة الإسلامية المثل الأعلى الذي ينشده الإسلام للبشرية. وهو تنفيذ أحكام الشريعة، وتمكين المسلم من أن يحيا طبقاً لمتطلباتها؛ لأن الدين الإسلامي هو أساس كل التنظيمات في الحياة، فكلمة (دين) تشمل جميع نواحي النشاط الإنساني، سواء في مجال التنظيم السياسي للجنس البشري، أم في مضار الأخلاق والاقتصاد والاجتماع والسياسة والثقافة والتربية التي يتضمنها كلها القرآن الكريم (2) . وبكلمة إجمالية: إن مهمة الدولة الإسلامية هي نشر الحضارة ذات الطابع الإنساني الرفيع.

المطلب الثاني- مقارنة الدولة الإسلامية بالدولة الحديثة :

وفيه فرعان:

الفرع الأول ـ بيان مدى ارتباط الدولة الحديثة بالمبادئ والأديان :

38 ـ لا نجد الآن تقسيماً للدول بحسب أديانها، ولا يهتم القانون الدولي

__________

(1) السياسية الشرعية: ص 24، ط دار الكتاب العربي بمصر.

(2) بحث مفهوم الدولة في الإسلام، الدكتور محمد عزيز أحمد المنشور في مجلة (المسلمون) المجلد الرابع، العدد السادس: ص 59.

العام بشأن دين الدولة، وإنما يعترف بالدولة الموزعة في العالم على أساس إقليمي، لكن من المعروف أن الدول بحسب الدين أربع مجموعات رئيسية: (1)

المجموعة الأولى: الدول النصرانية.

المفصل في أحكام الهجرة · الصفحة ٨٨١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الهجرةص ٨٨١