تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حتَّى قال الأستاذ: مالك بن نبي ـ رحمه الله ـ :(والحقيقة أنَّنا قبل خمسين عاماً كنَّا نعرف مرضاً واحداً يمكن علاجه ، هو الجهل والأميَّة ، ولكننا اليوم أصبحنا نرى مرضاً جديداً مستعصياً هو(التعالم). وإن شئت فقل: الحرفيَّة في التعلُّم ؛ والصعوبة كلَّ الصعوبة في مداواته . وهكذا فقد أتيح لجيلنا أن يرى خلال النصف الأخير من هذا القرن ظهور نموذجين من أفراد في مجتمعنا:حامل المرقعات ذي الثياب البالية ، وحامل اللافتات العلميَّة) [شروط النهضة/91 ]ولهذا فإنَّ أحد متعالمي زمننا وهو مهندس ميكانيكي أخرجَ كتاباً عنوانه:( إصلاح أكبر خطأ في تاريخ الأمَّة الإسلاميَّة) حيث يدَّعي أنَّ مسند الإمام أحمد ليس للإمام أحمد وإنَّما لابنه عبد الله ، بدعوى أنَّ المسند قبل كلِّ حديث أو أثر مرويٌّ بسنده ، يبدأ به بقوله حدَّثنا عبدالله ، قال حدَّثنا الإمام أحمد، فخرج هذا المسكين بالنتيجة العلميَّة التي لم يدركها جميع علماء الحديث على مرِّ الزمن ، واستخرجها هو بفطنته وعلمه وكياسته ، ولم يعلم هذا المتعالم أنَّ مسند الإمام أحمد قد رواه عنه كاملاً ابنه عبدالله ، ولهذا كُتب فيه :حدَّثنا عبدالله بن الإمام أحمد ، وصدق من قال: العلم فضَّاح لغير أهله.

كلُّ من يدَّعي بما ليس فيه *** فضحته شواهد الامتحان

بل وصل بعضنا إلى درجة (الانحطاط الفكري) في تلقِّي العلم الشرعي ممن لم يعرف عنه نبوغه به ، فقد حدَّثني أحد العلماء المعاصرين عن أحد الكتَّاب الغربيين الذين انتسبوا لدين الإسلام ، أنَّه استضيف في أحد الفنادق، وكان حضور الناس إليه بالمئات ، وكان ممَّن حضر ذلك المؤتمر النساء المسلمات ، وبدؤوا يسألونه عن كلِّ صغيرة وكبيرة وصاحبنا الغربي لايفتأ يجيب عن كلِّ ما يسأل عنه ، حتَّى إنَّ إحدى النساء الحاضرات سألته عن مسألة من مسائل الحيض المشكلة عليها ليجيب عنها بما يراه مناسباًُ ، والعجيب أنَّ المقدِّم له يسأله عن ذلك وهو يعلم أنَّ ذلك الرجل المنتسب لدين الإسلام حديث عهد بإسلامه ! فكيف بالله يلج هذا الرجل تلك المداخل وهو قريب عهد بالإسلام؟! ورحم الله ابن رشد إذ قال:(كان العلم في الصدور واليوم صار في الثياب)[خلاصة الأثر للمجبي1/275ـ بواسطة التعالم للشيخ الدكتور بكر أبو زيد /صـ35].

ولن أستطرد بذكر شيء من هذا القبيل ، فلا أحبُّ أن أنكأ الجراح ، ولا أذرَّ الملح على الجراح!ولله درُّ الإمام ابن تيميَّة حين نَقَلَ عن بعضهم:(وقد قال بعض الناس : أكثر ما يفسد الدنيا نصف متكلم ، ونصف متفقه ، ونصف متطبب ، ونصف نحوي ، هذا يفسد الأديان وهذا يفسد البلدان ، وهذا يفسد الأبدان ، وهذا يفسد اللسان) [مجموع الفتاوى5/118].

5ـ أن يتلقَّى العلم ممَّن يقدِّر العلماء ويحترمهم.

المسلم الذي يهوى الحق ويطلبه ، فإنَّه لابدَّ أن تكون لديه علامة لحبِّ أهل العلم وإنزالهم منزلتهم ، واحترام علمهم ، وقد أخبرنا رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ كما في حديث عبادة بن الصامت ـ رضي الله عنه أنَّه قال ـ:(ليس من أمتي من لم يجل كبيرنا ، ويرحم صغيرنا ، ويعرف لعالمنا حقَّه) [أخرجه أحمد بسند جيد].

بيد أنَّ المطَّلع على حال الكثير من الصحفيين ـ وهم الذين يأخذون العلم من الكتب دون المشايخ ـ كما قال الزمخشري في التعاريف(1/449) أو من يتسمَّون بالصحافيين وهم جمَّاعو الأخبار ، فسيجد المراقب لكتاباتهم شيئاً عجيباً من قلَّة احترام العلماء ، والاستهانة بعلمهم ، بله الاجتهاد في تحقيق كثير من القضايا في مجلاَّت لم تُعرف بروح العلم ، بل عرفت بالعلمنة والفسق ، ثمَّ يأتي أحدهم ويناقش قضيَّة حكم استماع الموسيقى والأغاني في نصف صفحة ، ويعرض قول من شذَّ رأيهم في إجازة الاستماع لتلك المعازف ، ويعرض بل يشنِّع ويشغِّب على العلماء الذين أفتوا بحرمتها ، وخاصَّة في هذا العصر ؛ لأنَّ تلك الفتوى لا تتواءم مع القرن الحادي والعشرين!

بينما تجد عند السابقين من طلاَّب العلم قمَّة احترامهم لعلمائهم ، فهذا لا يطرق الباب على شيخه إلاَّ بأطراف أصابعه ، وهذا يهاب من النظر إليه إجلالاً له واحتراماً ، وآخر يخشى أن يزعج شيخه بتصفُّح الأوراق أمامه والانشغال عن درسه بها ، وهذا ينتظر شيخه من المساء إلى الصباح وقد سفَّته الرياح حتَّى يفتح الشيخ له بابه ، وآخر لا يأتي عند شيخه إلاَّ ويقبِّلُ يده ويدعو له بالخير ، وآخر لا يصلي صلاة إلاَّ ويدعو لشيخه بالخير والجنَّة ، ورحم الله ربيعة بن أبي عبدالرحمن إذ قال:(الناس في حجور علمائهم كالصبيان في حجور أمَّهاتهم) [شرح ابن أبي العز للطحاوية1/105].

أمَّا الآن فتجد أنّ القوم المتعالمين إذا تعلم أحدهم مسألة أو عشر مسائل ، بدأ يكتب في الصحف والمجلاَّت والجرائد، وينشر علمه الغزير! فيخطِّئ الأئمة المجتهدين ، ويستدرك عليهم ما يظنُّه من زلاَّتهم ، بدعوى الحجَّة الزائفة:(هم رجال ونحن رجال) ولا شكَّ أنَّ الاحتجاج بهذه المقولة حجَّة ساقطة لوجوه:

المفصل في أحكام الهجرة · الصفحة ١٤٩١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الهجرةص ١٤٩١