الأمة الإسلامية مهما تعددت أجناسها ، واختلفت لغاتها ، وتنوعت ألوانها ، وتناءت ديارها ، وتتابعت أجيالها ، هي أمة واحدة يربط بين أفرادها جميعاً رابط العبودية الحقة الخاصة لله الواحد القهار . قال الله تعالى : ﴿ إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ﴾ ( الأنبياء : 92 ) . قال ابن عباس - رضي الله عنهما - في تفسيرها : ( دينكم دين واحد ) [22] . وذلك أن الدين هو أعظم ما يوحد بين الناس ويجعل منهم أمة واحدة متماسكة . قال تعالى : ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا ﴾ ( آل عمران : 103 ) . قال ابن كثير - رحمه الله - ( أمرهم بالجماعة ، ونهاهم عن التفرقة ، وقد وردت الأحاديث المتعددة بالنهي عن التفريق ، والأمر بالاجتماع والائتلاف ) [23] . وقال صلى الله عليه وسلم : « هذا كتاب من محمد النبي رسول الله بين المؤمنين والمسلمين من قريش ، وأهل يثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم ، أنهم أمة واحدة من دون الناس » [24] .
ويترتب على ذلك أمور منها :
1 - لا يجوز تفريق الأمة أو تمزيقها تحت أي من المسميات .
2 - مناصرة المسلمين في كل مكان .
3 - حرمة إعانة الكفار على المسلمين .
وأما واحدية القيادة العليا ، فقد دل عليها كثير من النصوص الشرعية منها قوله صلى الله عليه وسلم : « إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما » [25] . قال النووي - رحمه الله - : ( ومعنى هذا الحديث : إذا بويع لخليفة بعد خليفة ؛ فبيعة الأول صحيحة يجب الوفاء بها ، وبيعة الثاني باطلة يحرم الوفاء بها ، ويحرم عليه طلبها ؛ إلى أن قال : واتفق العلماء على أنه لا يجوز أن يعقد لخليفتين في عصر واحد ) [26] . فالخليفة الصالح للخلافة الذي اختاره أهل الحل والعقد هو الشخص الذي تناط به السلطة السياسية في ديار الإسلام .
ويترتب على ذلك أمور منها :
1 - منع ما يسمى بالقيادة الجماعية للدولة .
2 - منع توزيع السلطة على عدة هيئات أو مؤسسات ؛ بحيث تستقل كل واحدة منها بجزء من السلطة .
3 - بيان منزلة الهيئات والمؤسسات المعاونة للإمام ومكانتها في النظام السياسي الإسلامي .
4 - عدم جواز تقسيم دار الإسلام إلى دويلات يستقل بحكم كل واحدة منها وال من الولاة بحيث لا تكون هناك إمارة عامة يرتبط بها أولئك الولاة .
- السادس : غاية النظام السياسي الإسلامي صلاح الدنيا وفلاح الآخرة :
الحياة في عقيدة المسلم تنقسم إلى جزأين : جزء صغير في الدنيا ، وجزء لا نهاية له في الآخرة ؛ من أجل ذلك ؛ فإن عناية النظام السياسي الإسلامي بحياة المسلم لا تقتصر على ذلك الجزء الصغير الذي هو في الدنيا ، بل همه الأكبر تلك الحياة التي لا تنتهي ؛ فالغاية لا تقتصر على صلاح الدنيا وعمارتها وتحقيق رفاهية المجتمع كما هو الحال عند الذين لم يعرفوا من الحياة إلا الجزء الصغير وهو الحياة الدنيا ، بل يضيف النظام السياسي الإسلامي إلى ذلك عمارة الآخرة ، بل يجعل ذلك نصب عينيه ؛ إذ هو المقصود الأسمى من وجوده .
لذا فإن من أهم واجبات النظام السياسي الإسلامي :
1 - حفظ الدين على أصوله المستقرة وما أجمع عليه سلف الأئمة .
2 - حفظ الشريعة والعمل بها وتحكيمها .
3 - جهاد من عاند الإسلام بعد الدعوة حتى يسلم أو يدخل في الذمة [27] .
وبعد : فهذه جملة من الخصائص العامة والمعالم البارزة في نظامنا السياسي الإسلامي تحقق بها الأولون ففازوا وسعدوا وسادوا الدنيا شرقاً وغرباً ، ونحن الآن في هذه المرحلة الحرجة التي تكالب فيها أعداؤنا علينا من عُبَّاد الصليب والبقر والوثن ، أحوج ما نكون للعودة السريعة إلى هذا النظام وإعادته لتحقيق الصلاح في الدنيا والفوز في الآخرة ، وما أصدق قول من قال : لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح عليه أولها .
(1) أدب الدين والدنيا ، أبو الحسن الماوردي ، ص 115 ، وهيه : ضعفه .
(2) النظام السياسي الإسلامي يعرَّف بأنه الهيئة الكلية المكونة من مجموعة الأحكام الشرعية وما ارتبط بها من تنظيمات وهيئات ومؤسسات خاصة بأحكام الدولة الإسلامية من حيث إقامتها وإدارتها وتحقيق غايتها ، سواء منها الأحكام الكلية والقواعد العامة ، أو الأحكام الفرعية الجزئية التي جاءت بها نصوص الكتاب والسنة ، أو دلت عليها أو استنبطت منها بطرق الاستنباط المعروفة في أصول الفقه ، تحطيم الصنم العلماني ، محمد بن شاكر الشريف ، ص 44 .
(3) أخرجه أحمد في المسند (5/251) وقال الأرناؤوط : إسناده جيد ، و ابن حبان في صحيحه (15/ 111) و الحاكم في المستدرك (4/104) وقال صحيح الإسناد .
(4) انظر في تعريف السيادة : تحطيم الصنم العلماني ، محمد بن شاكر الشريف (ص 49) ومراجعه في ذلك .
(5) أخرجه البخاري (13/130 فتح الباري) .
(6) شرح النووي (12/317 318) .
(7) فتح الباري (13/132) .
(8) مجلة المسلم المعاصر العدد 15 (ص 172) د / مصطفى كمال وصفي .
(9) أخرجه مسلم (12/297 شرح النووي) والبخاري (13/135 فتح الباري) .
(10) المرجع السابق (12/297 - 298) شرح النووي .